المادة الأسريةقانون المواريث

التعصيب وأنواع العصبة

مفهوم التعصيب:

العصبة هم النوع الثاني من الورثة، وهم طائفة من الأقارب لم يقدر لهم نصيب معلوم، بل يأخذون جميع التركة إن انفردوا، ولم يوجد صاحب فرض، أو يأخذون الباقي بعد أصحاب الفروض، أو لا يأخذون شيئا لاستغراق الفروض للتركة. فكل من لم تكن له فريضة مسماة فهو عاصب إن بقى شيء بعد الفرائض أخذه.

أصل العاصب الشدة والقوة والربط، ومنه عصبة الرأس، عصب رأسه و عصبه تعصيبا: شده بالعصابة، وهي العمامة، وكل ما عصب به الرأس من عمامة أو منديل. والعصابة الجماعة، لأنه يشد بعضهم بعضا.

وعصبة الرجل بنوه وقرابته لأبيه، وسموا عصبته لأنهم عصبوا به، فالأب طرف، والابن طرف، والأخ جانب، وكذا العم، يقال تعصبوا عليهم، إذا تجمعوا،والعصبي هو الذي يغضب لعصبيته ويحامي عنهم.

فالعاصب إذن في اصطلاح علم المواريث هو كل من يرث بغير تقدير، يعني الوارث الذي ليس له فريضة مسماة أو سهم مقدر.

ومفهوم الإرث بالتعصيب هو على سبيل التقريب، قال صاحب ” لباب الفرائض” ما نصه: ” العصبة جمع عاصب، وهو في الاصطلاح من حاز كل المال عند إفراده، أو البقية إن كان معه صاحب فرض، وهذا على سبيل التقريب، وإلا فهو مردود عند المناطقة، لما فيه من التعريف بالحكم اللازم عليه الدور، ولا يوجد له تعريف سالم من الانتقاد، ولذلك قال ابن الهائم في كفايته “وليس يخلو حده من نقد فينبغي تعريفه بالعد”.

ولعل إدراك هذه الحقيقة هي التي جعلت المشرع المغربي يستبعد وضع تعريف شامل للعصبة، واختار التعريف المفصل لكل نوع من أنواع العصبة النسبية مشيرا في الفقرة الثانية من المادة 335 إلى أن: “التعصيب أخذ الوارث جميعرالتركة أو ما بقي عن ذوي الفروض “.ولما لم يكن هناك تعريف للعصبة متفق عليه، نقتصر على ما أشرنا إليه وننتقل للحديث عن أنواع العصبة وأحوالهم.

أنواع العصبة وأحوالهم:

يستنتج من أحكام القسم الخامس من الكتاب السادس من مدونة الأسرة المعنون ب ” الإرث بطريق التعصيب” والمتضمن للمواد من 348 إلى 354 والمتمعن في أحكام هذه المواد يلاحظ أن المشرع الأسري المغربي قد كرس الأنواع الفقهية الثلاثة للعصبة بالنفس وبالغير ومع الغير، منسجما بذلك مع المذاهب الفقهية عبر بوابة المذهب المالكي، فقد نصت المادة 348 على أن”العصبة ثلاثة أنواع:عصبة بالنفس- عصبة بالغير – عصبة مع الغير”.

فهذا التقسيم الثلاثي للعصبة، قام في جوهره على نفس المبادئ المعتمدة في الفقه الإسلامي عامة والمالكي خاصة، الذي ميز بين العصوبة الأصلية (العصبة بالنفس) ، والعصوبة الطارئة (العصبة بالغير أو مع الغير).

فمتى أطلقت العصبة فإنها تنصرف إلى القسم الأول، يعنى العصبة بالنفس فالعصوبة الأصلية تنحصر فقط في العصبة بالنفس التي هي الأصل والأقوى.

1) العصبة بالنفس :

كل قريب ذكر لم يدخل في نسبته إلى الميت أنثى، كالابن، وابن الابن وان سفل، والأخ الشقيق، والأخ لأب وابن الأخ الشقيق أو من أب وان سفل، والعم الشقيق، والعم من جهة الأب وابن العم الشقيق أو من جهة الأب وان سفل، وبيت المال، ويضاف إليهم الأب والجد الصحيح والذي له أحواله الخاصة سبقت الإشارة إليها.

وسبب تعصيبهم هو القرابة النسبية إلى موروثهم، فكل واحد منهم يشارك الهالك في نسبه، وكل الذكور عصبة بالنفس، ما عدا الزوج والأخ لأم، فالعصوبة صفة تلحق الذكورة بشرط وجود القرابة وان لا يدخل في نسبة الذكر إلى الميت أنثى. أما العصوبة الطارئة فمتى أطلقت فيراد بها العصبة مع الغير والعصبة بالغير.

فالعصوبة الأصلية تشمل الذكور، أما العصوبة الطارئة فتشمل الإناث، وسميت بالطارئة لان عصوبة الإناث لم تكن لذاتهن بل لاجتماعهن بالغير أو مع الغير فالتعصيب بالغير، والتعصيب مع الغير، خاصان بالإناث.

وسبقت الإشارة إلى أن الأصل في النساء أنهن يرثن بالفرض، واستثناء بالتعصيب، ولا ترث بالتعصيب إلا إذا وجدت مع ذكر في درجتها فترت معه بالتفاضل كحالة استثنائية.

2) العصبة مع الغير :

كل أنثى تصير عاصبة مع أنثى أخرى، كالأخت مع بنت أو بنت الابن.

أما العصبة بالغير فهن النسوة الأربع اللاتي فرضهن النصف، والثلثان، إذا اجتمع كل مع أخيه، وهن البنت وبنت الابن والأخت الشقيقة والأخت لأب، فإذا وجد مع واحدة منهن ذكر في درجتها عصبها، ونقلها من الإرث بالفرض إلى الإرث بالتعصيب.

ومعنى عصبة بالغير أن كل واحدة من الأربعة المذكورات غير عصبة في نفسها، وإنما انضمت إلى من هو في درجتها فتعدى التعصيب منه إليها فأصبحت ترث معه للذكر مثل حظ الأنثيين.

وسمي النوع الأول عاصبا بنفسه، لأنه لا يحتاج إلى غيره، فالباء في قول المدونة في الفقرة الثانية: “عصبة بالغير” باء السببية، فهن عاصبات بسبب وجودهن مع ذكر في درجتهن.

وهناك حالة استثنائية يرثن فيها الإناث بالتعصيب، إذا وجدن مع أنثى أخرى أعلى منهن درجة، وهي حالة وجود الأخوات فقط مع بنت أو بنات فقط. كماسبق أن أشرنا

هذه هي أنواع العصبة وفق المادة 348 من مدونة الأسرة، فهؤلاء الورثة يرثون بالتعصيب فقط عند سلامتهم ممن يحجبهم.

وللعاصب أحوال نصت عليها المادة 336 بقولها: ” إذا لم يوجد أحد من ذوي الفروض أو وجدوا ولم تستغرق الفروض التركة، كانت التركة أو ما بقي منها للعصبة بعد أخذ ذوي الفروض فروضهم”. نستنبط من هذه المادة أن للعاصب ثلاثة أحوال :

أ) أن يوجد وحده دون أحد من ذوي الفروض : في هذه الحالة يرث العاصب التركة كلها كما إذا توفي أب وترك ابنه فقط دون وارث آخر، فإن الابن يرث جميع التركة تعصيبا.

ب) أن يوجد العاصب مع ذوي الفروض دون أن تستغرق الفروض التركة: ففي هذه الحالة يرث العاصب ما بقي بعد أن يأخذ ذوو الفروض فروضهم، فمن مات وترك زوجة وأما وأخا شقيقا، فللزوجة الربع، وللأم الثلث، وما بقي عنهما يأخذه الأخ الشقيق تعصيبا.

وفي الحالتين السابقتين يقول الشيخ خليل في مختصره الفقهي:” ولعاصب ورث المال أو الباقي ” يعني أن العاصب هو الذي يرث المال كله عند انفراده عن ذوي الفرض أو الباقي عنهم إذا وجدوا.

ج) أن يوجد العاصب مع ذوي الفروض وقد استغرقت الفروض التركة ففي هذه الحالة لاشيء للعاصب، حيث لم تفضل له فضلة عن ذوي الفروض.

وهذه الحالة أي الحالة الثالثة مفهومة من الفقرة الثانية من المادة 335 التعصيب أخذ الوارث جميع التركة أو ما بقي عن ذوي الفروض “، مفهومه أنه إذا لم يبق عن ذوي الفروض بقية فلا شيء للعاصب. كمن توفي عن أخت شقيقة، وأم، وزوج، وعم شقيق، فلأخت النصف، وللأم الثلث، وللزوج النصف، ولا شيء للعم حيث إنه عاصب، والحال أن الفروض استغرقت التركة ولم يبقى للعم شيء من التركة، وعالت المسألة.

أما بيت المال الخزينة العامة للدولة هل يدخل ضمن العصبة بالنفس؟

فالمشرع الأسري المغربي كما سبق القول لم يضع تعريفا مباشرا للعاصب بالنفس، وإنما أشار في الفقرة الثانية من المادة 335 على أن التعصيب هو اخذ جميع المال أو ما بقي عن ذوي الفروض، وهذا التعريف شامل لجميع العصبة بالنفس ومنهم بيت المال، وبالرجوع إلى المادة 349 من نفس المدونة نجد أن بيت المال هو ضمن لائحة العصبة بالنفس إلى جانب الأشخاص الطبيعيين الذين تم حصرهم.

وهذا ينسجم مع المشرع الأسري التونسي الذي نص في فصله 114 على ان ” العاصب بنفسه يرث جميع المال عند إفراده والبقية عن أصحاب الفروض ان كانت والحرمان ان لم تكن….. وتم حصر قائمة العصبة بالنفس وضمنهم صندوق الدولة. ويمكن القول بان خصائص العاصب بالنفس قانونا هي نفسها فقها، فالمذاهب الفقهية الأربعة متفقة على منح العصبة هذه الصفة.

3) العصبة بالغير :

فقد نصت المادة 351 على أن “العصبات بالغير1. البنت مع الابن. 2 بنت الابن وان نزل مع ابن الابن وان نزل، إذا كان في درجتها مطلقا، أوكان أسفل منها إذا لم ترث بغير ذلك .3 الأخوات لأبوين مع الإخوة لأبوين والأخوات لأب مع الإخوة لأب ويكون الإرث بينهم في هذه الأحوال للذكر مثل حظ الأنثيين”. فالعصبة بالغير أصناف ثلاثة:

الصنف الأول : البنات يعصبهن الأبناء، فمن ترك بنتا وابنا ورثت البنت بالتعصيب، بسبب وجود الابن للذكر مثل حظ الأنثيين على سنة التعصيب وحكمه وسبيله.

الصنف الثاني : بنات الابن وان سفل يعصبهن أبناء الابن وان سفلوا، إذا كانوا في درجتهن مطلقا، سواء فضل لهن شيء من الثلثين أم لا، أو كانوا أسفل منهن بشرط أن لا يفضل شيء من الثلثين، للذكر مثل حظ الأنثيين، وهنا يمكن الرجوع إلى المادة 342 من مدونة الأسرة.

الصنف الثالث: الأخوات يعصبهن الإخوة، فالشقيق يعصب الشقيقة والذي للأب يعصب التي للأب للذكر مثل حظ الأنثيين.

وفي الأصناف الثلاثة قال الشيخ خليل في مختصره الفقهي: “وعصب كلا أخ يساويها” يعني أن النساء اللاتي تقدم ذكرهن وهن البنت وبنت الابن والأخت الشقيقة والتي للأب، يعصب كل واحدة منهن أخوها الذي في درجتها.

أما العصبة مع الغير فنصت المادة 352 على أن “العصبة مع الغير:الأخوات لأبوين أو لأب مع البنت أو بنت الابن وان نزل، ويكون لها الباقي من التركة بعد الفروض. تعتبر في هذه الحالة الأخوات لأبوين كالإخوة لأبوين وتعتبر الأخوات لأب كالإخوة لأب، ويأخذن أحكامهم بالنسبة لباقي العصبات في التقديم بالجهة والدرجة والقوة.”هذا النوع من العصبة خاص بالإناث أيضا، ويتعصبن مع الإناث كذلك. فالعاصب مع الغير هي كل أنثى تصير عاصبة مع أنثى أخرى، قال الفقيه التلمساني:والأخوات قد يصرن عاصبات إن كان للهالك بنت أو بنات فمن ترك بنتا، واختا شقيقة، وأخا لأب، فللبنت النصف فرضا، وللأخت الشقيقة النصف الآخر تعصيبا، ولا شيء للأخ للأب، لأنه محجوب بالشقيقة التي في هذه الحالة بمثابة الشقيق، وهو منطوق الفقرة الثانية من المادة 352 من مدونة الأسرة.

ملاحظة:لا يمكن أن تجتمع أنواع العصبات الثلاثة بالنفس، وبالغير، ومع الغير في مسالة واحدة، لأنه إذا وجدت الأولى تنتفي الثانية والثالثة، كما لو مات عن ابن وبنت ابن، وعن أخ شقيق وشقيقة، فالتركة كلها للابن، ولا شيء لبنت الابن ولا للشقيق وشقيقته، فهم جميعا محجوبون بالابن. أما العصبة بالغير، والعصبة مع الغير، فقد توجدان في مسالة واحدة. فإذا وجدتا قدمت العصبة بالغير على العصبة مع الغير لقوتها عليه.كمن ترك بنتا واخا واختا لأب، فللبنت النصف فرضا والنصف الآخر بين الأخ والأخت لأب تعصيبا للذكر مثل حظ الأنثيين

حكم الإدلاء بجهتين إلى المورث:

المادة 353 “إذا اجتمع الأب أو الجد مع البنت أو بنت الابن وان نزل استحق السدس فرضا والباقي بطريقة التعصيب”.

بعدما نصت المدونة في المادة 339 على أن الأب والجد يجمعان بين الفرض والتعصيب، ببنت في هذه المادة الحالة التي يجمعان فيها بينهما، وهي أن يكون الأب والجد مع البنت أو بنت الابن، فللأب حينئذ أو الجد السدس فرضا، والباقي تعصيبا، فمن ترك أبا أو جدا وبنتا أو بنت ابن، فللأب أو الجد السدس فرضا، وللبنت أو بنت الابن النصف فرضا، وللأب أو الجد الباقي تعصيبا.

ومن ترك أبا او جدا، وابنتين أو بنتي ابن فللأب أو الجد السدس فرضا، وللبنتين او بنتي ابن الثلثان فرضا، والباقي للأب أو الجد تعصيبا.

وقد مر معنا ذلك في المادة 339 وكان اللائق بالمدونة أن تلحق هذه المادة أي المادة 353 بتلك لارتباطها بها.

وكانت مدونة الأحوال الشخصية الملغاة قد نصت في الفصل 235 على أن الوارث بالفرض والتعصيب جمعا خمسة الأب والجد والزوج وابن العم والأخ لأم.

فالزوج يرث بالفرض والتعصيب إذا كان ابن عم، والأخ للأم إذا كان ابن عم.أما ابن العم فإذا لم يكن أخا لأم فانه يرث بالتعصيب فقط ولا يجمع بين الفرض والتعصيب.

وحاصل القول في المسالة أن الزوج والأخ للأم لهما حالتان، فتارة يرثان بالفرض فقط، وذلك حيث لا يكونان ابني عم للهالك، وتارة يجمعان بين الفرض والتعصيب، حيث يكونان ابني عم للهالك، وليست لهما حالة ثالثة وهي الإرث بالتعصيب وحده أبدا.

ويتضح مما سبق أن الذين يرثون بالفرض والتعصيب في آن واحد أربعة فقط وهم الأب والجد والزوج إذا كان ابن عم والأخ للأم إذا كان ابن عم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى