المادة الأسريةقانون المواريث

جهات العصبة وقواعد الترجيح بينهم.

تنص المادة 349 من مدونة الأسرة على أن للعصبة بالنفس جهات مقدم بعضها على بعض في الإرث على الترتيب الآتي، “البنوة “وتشمل الأبناء وأبناء الابن وإن سفل. “الأبوة”. و”الجد العصبي وإن علا والإخوة” وتشمل الأشقاء والإخوة للأب.و” أبناء الإخوة وإن سفلوا”. و “العمومة” وتشمل أعمام الميت لأبوين أو لأب وأعمام أبيه كذلك وأعمام جده العصبي وإن علا وأبناء من ذكروا وإن سفلوا. و” بيت المال” إذا لم يكن هناك وارث، حيث تتولى السلطة المكلفة بأملاك الدولة حيازة الميراث. فإذا وجد وارث واحد بالفرض رد عليه الباقي، وإذا تعدد الورثة بالفرض، ولم تستغرق الفروض التركة رد عليهم الباقي حسب نسبهم في الإرث.

من خلال المادة المذكورة يتضح أن المشرع الأسري المغربي وافق قول الجمهور ، لأنه اعتمد قولهم في الجد بصفته أحد الإخوة لا يحجبهم ولا يحجبونه، فهم معه في مرتبة واحدة وجهة واحدة. فجاءت جهة العصبة بالنفس من الأشخاص الطبيعيين وفق المادة 349 من مدونة الأسرة كالتالي:

(1) جهة البنوة: الابن وابن الابن، يعني أن هذه الجهة تشمل فروع الميت الذكور وفروعهم الذكور وان نزلوا.

ب) جهة الأبوة: يعني الأب، وهو الأصل المباشر للميت لا غير.

ت) جهة الجدودة والأخوة : أكدت الفقرة الثالثة من المادة 349 من مدونة الأسرة على أن الجد والإخوة في مرتبة واحدة ” وتشمل الأشقاء والإخوة للأب”، يعني الأخ الشقيق، والأخ لأب.

ث) جهة أبناء الإخوة: وتشمل أبناء الإخوة الأشقاء وأبناء الإخوة لأب وان نزلوا.

ج) جهة العمومة وبنوهم : العم الشقيق أو لأب وإن نزل وأبناؤهم.

نلاحظ أن المشرع الأسري المغربي جعل أبناء الأعمام ضمن جهة الأعمام على عكس ما فعل مع أبناء الأخوة، انسجاما منه مع الخيار الذي تبناه وهو مشاركة الإخوة للجد في جهة واحدة، فكان من الضروري جعل جهة أبناء الأخوة مستقلة عن جهة الأخوة.

وبما ان للعصبة بالنفس جهات مقدم بعضها على بعض كان من الضروري إيجاد قواعد للترجيح بينهم، فما هي هذه القواعد المعتمدة؟

ينبغي التنبيه إلى ان الفقه الإسلامي اهتم كثيرا بوضع قواعد وضوابط غايته بناء أحكام على أسس موحدة، وقد تضمنت مدونة الأسرة المغربية الكثير من تلك القواعد الفقهية ومن ذلك ما ورد في المادتين 349 و 350 من القواعد المعتمدة في الترجيح بين العصبة بالنفس. فإذا اشتملت مسألة على عاصبين فأكثر، فتعصيبهم يكون باعتبار القرابة فيقدم الأقوى قرابة منهم للهالك، ولمعرفتهم تطبق ثلاث قواعد هي: قاعدة الترجيح بالجهة – قاعدة الترجيح بالدرجة – قاعدة الترجيح بالقوة.

القاعدة الأولى: الترجيح بالجهة

إذا أضفنا الأب والجد من جهة الأب إلى العصبة المذكورين، كانوا باعتبار جهة قربهم من الميت ستة أصناف، ومرتبين على الشكل الوارد في المادة 349من مدونة الأسرة:

1) الجهة الأولى: “البنوة”

وتشمل فروع الميت وهم الأبناء وأبناء الابن وان سفل، فتقدم هذه الجهة على باقي الجهات.

2) الجهة الثانية: “الأبوة “

وتشمل الأب وحده، وهو من أصول الميت، وكانت مدونة الأحوال الشخصية الملغاة قد أدخلت في هذه الجهة الجد والإخوة. وقد أحسنت مدونة الأسرة صنعا حين جعلت الأبوة بمفردها جهة ثانية بعد البنوة، حيث إن الأبوة مقدمة في التعصيب على الجدودة والأخوة وبنوها والعمومة وبنوها.

3) الجهة الثالثة: “الجد الصحيح والإخوة”

وتتناول هذه الجهة الجد من قبل الأب وان علاء في الحالة التي يكون فيها عاصبا، ويدخل في هذه الجهة الأخوة، سواء كانوا أشقاء أو لأب، أما ولد الأخ للأم فليس من العصبة. فالجد والإخوة الأشقاء أو لأب، في مرتبة واحدة في التعصيب في الجهة، فليس الجد حاجبا للإخوة، ولا الإخوة يحجبونه، ولهذا عطف الشيخ خليل في مختصره الفقهي الأخوة على الجد بالواو فقال: “ثم الجد والإخوة”.

4) الجهة الرابعة: قالت المدونة ” أبناء الإخوة وان سفلوا “

وهم فروع أبي الميت، يعني أبناء الإخوة الأشقاء أو لأب وان علوا، ثم بنوهم وان نزلوا. ويرى البعض انه كان ينبغي على مدونة الأسرة أن تجعل من خلال المادة 349 جهة الجدودة والإخوة وبنوها جهة واحدة، كما أدرجت المدونة في المادة نفسها بنوة البنوة في جهة البنوة، وبنوة العمومة في جهة العمومة، لأن المنظور إليه في هذه المادة هي جهة العصبة من حيث مجموعها، أما تفاصيل كل جهة من حيث القرب والبعد والقوة والضعف، فهو ما سيأتي في المادة 350.

5) الجهة الخامسة: “العمومة وبنوتها وان نزلت”

سواء الشقيق أو الذي للأب، وسواء في ذلك عم الهالك وعم أبيه وعم جده.

6) الجهة السادسة : بيت المال “خزينة الدولة”

يتدخل بيت المال كشخصية معنوية بصفته عاصبا في حالة عدم وجود أي وارث للميت من الورثة المذكورين في الجهات الأربعة السالفة الذكر. وفي حالة وجود وارث واحد أو ورثة بالفرض، فإنهم يأخذون فروضهم، فإن بقي شيء رد عليهم، ويوزع هذا الباقي على سائر أصحاب الفروض حتى أحد الزوجين، عملا بمقتضى ظهير 1962 الذي بموجبه تنازلت الدولة عن حقوقها الإرثية بصفتها وارثة بالتعصيب للورثة أصحاب الفروض الموجودين، والملاحظ أن مدونة الأحوال الشخصية الملغاة لم تتحدث عن بيت المال كعاصب في حين أن مدونة الأسرة جعلته سادس جهات العصبة.

القاعدة الثانية: قاعدة الترجيح بالدرجة.

إذا تعددت جهات العصبة قدمت البنوة على غيرها وفق ما تقدم في المادة 349 كمن ترك ابنا، وابن ابن، وأخا، وعما. أما إذا اتحدت جهة العصبة، واختلفت درجتهم في القرب والبعد، فان المستحق للإرث هو الأقرب درجة إلى الميت اعتبارا للقوة، وهذا ما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة 350.

ونشير إلى أن الترجيح بقرب الدرجة لا يأخذ بعين الاعتبار قوة القرابة فابن الأخ لأب يحجب ابن ابن الأخ الشقيق، والعم لأب يحجب ابن العم الشقيق القاعدة الأقرب فالأقرب وان كان ضعيفا. فإذا اتحدت الجهة والدرجة كمن توفى عن أخ شقيق وأخ لأب، هنا نرجع إلى قاعدة الترجيح بقوة القرابة.

القاعدة الثالثة: قاعدة الترجيح بقوة القرابة.

الفقرة الثانية من المادة 350 “… إذا اتحدوا في الجهة والدرجة كان التقديم بقوة القرابة، فمن كانت قرابته من الأبوين قدم على من كانت قرابته من الأب فقط”.

إذا اتحدث الجهة، والدرجة، واختلفت القرابة قوة وضعفا، قدم القوي على الضعيف، كاخ شقيق، وأخ لأب يقدم الشقيق على الذي للأب. فهما متحدان في الجهة وهي الأخوة، ومتحدان في الدرجة وهي الأخوة من الدرجة الأولى، لكنهما اختلفا في القوة والضعف، فالشقيق قرابته للهالك من جهتين، بخلاف الذي للأب، فمن جهة واحدة.

فإذا اتحدث الجهة والدرجة والقوة، كالأبناء وحدهم، أو الإخوة الأشقاء وحدهم، أو الإخوة لأب وحدهم وهكذا، عصبوا جميعهم على السواء، وفقا للفقرة الثالثة من المادة 350 “إذا اتحدوا في الجهة والدرجة والقوة كان الإرث بينهم على السواء”.فهذه المادة قررت التساوي في الاستحقاق عند الاتحاد في الجهة والقوة، فان استووا في الجهة والدرجة والقوة، استحق الجميع على السواء بحسب رؤوسهم.

والترتيب المعتمد في المادتين 349 و 350 هو ترتيب إقصائي، ذلك أن كل جهة أو درجة إن وجدت أقصت التي تليها، فمن كانت جهته مقدمة فهو مقدم، ومن كانت درجته مقدمة فهو مقدم، ومن كانت قوة درجته أقوى فهو مقدم، وهكذا.

وسبق القول بان التعصيب لا يقتصر على العصوبة بالنفس فقط، بل يشمل أيضا العصوبة الطارئة التي تضم الإناث حين اجتماعين بالغير (التعصيب بالغير) أو اجتماعهن مع الغير (التعصيب مع الغير).

والأنثى إنما تصير عاصبة بأخيها إذا كانت صاحبة فرض، حتى ينتقل حقها من الفرض إلى العصوبة لمعنى يقتضيه الدليل، وإنما صارت الأنثى التي لها فرض عاصبة بأخيها، وهذا المعنى في البنات والأخوات، أما الأنثى التي ليس لها فرض فلم يوجد فيها هذا المعنى.

وهناك جدل فقهي أثير بين الفقهاء بخصوص (ب) و (مع) الغير المضاف للعصبة يعني العصبة بالغير والعصبة مع الغير، فإذا قلنا عصبة بالغير فالغير عصبة، لان الباء للسببية، فالابن مثلا سبب في ارث البنت بالتعصيب، إذ لولاه لورثت بالفرض، وشأن السبب التأثير، ولا يؤثر في الغير إلا ممن اثر في نفسه بخلاف (مع) في العصبة مع الغير، فإنها تقتضي المقارنة والمصاحبة، بمعنى أن وجود الأخت مع البنت يقتضي ارث الأخت بالتعصيب، فلم تؤثر البنت في الأخت تعصيبا إذ لا تؤثر في نفسها فضلا عن غيرها.

قال الشيخ خليل في مختصره الفقهي: ” وَعَصْبَ كُلًّا أَخٌ يُسَاوِيهَا” يعني:عصب كل واحدة من البنت وبنت الابن والأخت الشقيقة والأخت للأب أخ يساويها، أي في الوصف الذي ترث به، فيعصب الشقيقة أخ يساويها أي شقيق فتأخذ الثلث ويأخذ الثلثين، ولا يعصبها الأخ للأب، بل تأخذ فرضها النصف، ثم يكون له ما بقي بعد الفروض، ويعصب الأخت للأب أخ يساويها أي للأب فتأخذ هي وهو المال للذكر مثل حظ الأنثيين كما تقدم في الشقيقة، ولو كان شقيقا لم يعصب التي للأب بل يسقطها.

ويعصب البنت اخ لها يساويها في الوصف الذي ترث به وهو البنوة، ولا يلتفت لكونه شقيقا لها أو لأب، ويعصب بنت الابن أخ يساويها في كونه ابن الابن سواء كان شقيقا لها أو لأب، ويعصبها غيره، أي ابن عمها، وقد يعصبها ابن أخيها أو حفيد عمها.

ومما سبق نستنتج ان العصبة بالغير أربع نسوة هن: “البنت .بنت الابن .الأخت الشقيقة. الأخت للأب” ويشترط في تعصيبهن بالغير ما يلي: “ان تكون صاحبة فرض. ان يكون المعصب في درجتها. ان يكون المعصب لها عاصيا بنفسه، فالأخ للام لا يعصب أخته”.

أما التعصيب مع الغير فقد سبقت الإشارة إلى انه كل أنثى تصير عاصبة مع أنثى أخرى، كالأخت مع البنت أو بنت ابن. وبالرجوع إلى المادة 352 من مدونة الأسرة نجدها حددت أحكام التعصيب مع الغير بقولها: ” العصبة مع الغير، الأخوات لأبوين أو لأب مع البنت أو بنت الابن وإن نزل ويكون لها الباقي من التركة بعد الفروض. تعتبر في هذه الحالة الأخوات لأبوين كالإخوة لأبوين وتعتبر الأخوات لأب كالإخوة لأب ويأخذن أحكامهم بالنسبة لباقي العصبات في التقديم بالجهة والدرجة والقوة”.

ونص المادة 352 المذكورة صريح في أن الأخت الشقيقة فأكثر إذا أصبحت عاصبة مع البنات تحل محل الأخ الشقيق فتحجب الإخوة للأب ذكورا وإناثا، كما تحجب أبناء الإخوة الأشقاء أو لأب، وتحجب الأعمام وأولادهم. كما أن الأخت للأب إذا صارت عاصبة مع البنات، فإنها تحل محل الأخ للأب فتحجب من يحجب الأخ للأب.

ونشير إلى أن التعصيب بأنواعه الثلاثة يدخل ضمن أنواع الحجب وصورة من صوره الذي هو حجب نقل، فالابن ينقل أخته من النصف إلى التعصيب، كما ينقل أخواته من الثلثين إلى التعصيب.

من خلال ما تقدم نستنتج أن طرائق الإرث المنصوص عليها في مدونة الأسرة وهي الإرث بالفرض والإرث بالتعصيب هو تكريس وانسجام مع أحكام الفقه الإسلامي عامة والمالكي خاصة، وعليه فإن الخيار التشريعي في الأخذ بالمذهب المالكي هو في الحقيقة وقوف عند نوعي الإرث المتفق عليهما فقها، وقد اتسم التشريع الأسري المغربي في هذا المجال بالوضوح على مستوى المرجعيات المعتمدة، فهل بقى المشرع المغربي وفيا لهذا الخيار الواضح بخصوص الحجب؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى