المادة الدستورية

مصادر القانون الدستوري.

يقصد بمصادر القانون بوجه عام، الأصل الذي تستمد منه القاعدة القانونية مضمونها وصفتها الإلزامية، وتنقسم مصادر القانون الدستوري إلى مصدرين أساسيين، مصدر رسمي ويتجلى في التشريع والعرف. و مصدر تفسيري يتجلى في الفقه والقضاء.

وتختلف أهمية هذه المصادر من دولة لأخرى، كما قد تختلف من وقت لآخر، وذلك حسب اختلاف ظروف وأحوال كل بلد على حدة وسنقتصر نحن في هذا الصدد على دراسة المصادر الرسمية فقط وذلك على الشكل التالي:

-1- التشريع.

يعد التشريع أهم مصدر من مصادر القانون بصفة عامة، وهو يعني مجموع القواعد القانونية المكتوبة، والتي تقوم بإصدارها السلطات المختصة وفق الإجراءات المحددة بشكل مسبق.

وفي إطار القانون الدستوري، يقصد بالتشريع مجموع القواعد القانونية الواردة في نطاق الوثيقة الدستورية ومن ثم فالدستور المكتوب يعد أهم مصدر للقانون الدستوري، وأحد ركائزه الأساسية.

وإلى جانب الدستور، وأخذا بالمعيار الموضوعي في تعريف القانون الدستوري، تعد القوانين التنظيمية أو ما يطلق عليها في مجموعة من الدول بالقوانين الأساسية أو القوانين العضوية أحد أهم مصادر القانون الدستوري.

وتجدر الإشارة إلى كون الدساتير المكتوبة أو الوثائق الدستورية المكتوبة، أصبحت تشكل المصدر الأول لقواعد القانون الدستوري التي تمثل طبقا لمبدأ الشرعية أسمى القواعد القانونية في الدولة . كما أن التشريع أصبح يحتل مكانة كبيرة تتزايد أهميتها في الدول ذات الدساتير المكتوبة، وأيضا حتى في الدول ذات الدساتير العرفية كالمملكة المتحدة (بريطانيا).

-3- العرف .

على الرغم من الأهمية التي أصبح التشريع يحتلها في الوقت الحاضر كمصدر أساسي للقانون الدستوري، فإنه لم يؤد إلى القضاء على العرف الدستوري، حيث أن هذا الأخير مازال يلعب دورا مهما في خلق القاعدة الدستورية، ومن ثم فهو يعد من أهم مصادر القانون الدستوري.

وتنشأ القواعد العرفية نتيجة لإتباع هيئة من الهيئات الحاكمة في دولة معينة لعادة ما بصدد موضوع من موضوعات القانون الدستوري، دون معارضة غيرها من الهيئات، حتى يستقر في أذهان أفراد الجماعة ضرورة احترام هذه القواعد، مما يضفى عليها صفة الإلزام.

والمقصود بالعرف الدستوري هو أن تتصرف إحدى الهيئات الحاكمة في مسألة دستورية على نحو معين، فتنشأ من تكرار هذه التصرفات على مر الزمن قاعدة غير مكتوبة يكون لها إلزام قانوني .

ولاكتساب القواعد العرفية الدستورية الصفة القانونية الملزمة، لابد أن تتوفر على ركنين أساسيين وهما:

الركن المادي : ويتمثل في العمل أو التصرف الصادر عن إحدى السلط العامة الحاكمة في الدولة ويشترط أغلب الفقه لتوفر هذا الركن عدة شروط، أهمها، أن يتكرر التصرف أكثر من مرة واحدة، وأن يكون صادرا عن سلطة عامة، وأن يكون عاما، وألا يعترض عليه من قبل السلطات الأخرى أو من قبل الجماعة.

الركن المعنوي : ويقصد به أن يقوم ويستقر في ذهن الجماعة وضميرها القانوني، أن القاعدة العرفية واجبة الاحترام، وأن لها جزاء، فلا يكفي أن يتكرر إتباع قاعدة معينة بصفة عامة لمدة طويلة ثابتة لكي تنشأ القاعدة الدستورية العرفية، بل يجب فضلا عن ذلك أن يقوم في ذهن الجماعة اعتقاد بإلزامية القاعدة العرفية، وبأنها واجبة الإتباع باعتبارها قاعدة قانونية لها ما لسائر القواعد القانونية من الاحترام.

ومن خلال هذين الركنين، نخلص إلى كون نشوء العرف الدستوري يتطلب ضرورة تحول العمل أو التصرف الصادر عن إحدى الهيئات الحاكمة إلى عادة عامة ثابتة ومطردة وواضحة، كما يتطلب ضرورة إيمان الرأي العام وجميع السلط العمومية والهيئات الحاكمة في الدولة، بإلزامية هذه القاعدة العرفية، وبأن كل خرق لها أو مخالفة لمقتضياتها ويترتب عنه جزاء.

وللعرف الدستوري أهمية كبيرة، فهو يشكل المصدر الرئيسي للدساتير العرفية، كما يلعب عدة أدوار في إطار الدول ذات الدساتير المكتوبة، حيث يقوم أحيانا بتفسير نصوصها، ويقوم أحيانا بتكملة النقص الوارد فيها، كما يقوم أيضا في بعض الحالات بتعديل بعض مقتضياتها.

وانطلاقا من ذلك، يمكن الحديث عن عدة أنواع من العرف الدستوري وهي :

العرف الدستوري المفسر: هذا النوع من العرف يبرز في حالة وجود غموض وعدم وضوح في الوثيقة الدستورية، وعليه فهو لا ينشأ قواعد دستورية وإنما يبين التطبيق السليم أو المعنى الحقيقي للنص المكتوب. مما يعنى أن النص الدستوري المفسر لا يخرج عن دائرة النصوص المكتوبة وإنما يعمل في إطارها.

العرف الدستوري المكمل: ينشأ هذا العرف ليكمل المجالات التي لم تنظم في الوثيقة الدستورية حيث تظهر نصوص عرفية جديدة الى جانب الوثيقة المكتوبة لاستكمال نقص معين غفل عنه المشرع الدستوري ومن الأمثلة التي تقدم على هذا النوع من العرف اكتفاء الدستور الفرنسي لسنة 1875 باشتراط أن يكون مجلس النواب منتخبا بطريق الاقتراع العام دون ان يبين شكل هذا الاقتراع، قبل ان يأتي العرف ويفسر هذا النقص عندما تم اتباع طريقة الاقتراع المباشر.

العرف الدستوري المعدل: لا يقتصر العرف الدستوري على تفسير الغموض الذي قد يكتنف بعض بنود الدستور أو اكمال النقص الذي قد يعتريه، وإنما يمكن أن يذهب إلى حد تعديل نصوص الدستور لذلك يقصد بالعرف الدستوري المعدل ذلك العرف الذي ينصرف أثره الى تعديل حكم ورد في الدستور سواء باستحداث قاعدة دستورية جديدة أو بحذف قاعدة دستورية قائمة.

وقد اختلف الفقهاء بخصوص القيمة القانونية لهذه الأنواع من العرف وخاصة فيها يتعلق بالعرف المعدل، أما العرف المفسر والعرف المكمل، فقد ذهبت أغلبية الفقه إلى جعلهما في نفس مكانة ومرتبة النصوص الدستورية المكتوبة، وبالتالي فهما يتمتعان بنفس قيمتها القانونية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى