المادة الدستورية

تعريف الدستور.

قبل استعراض تعريف الدستور وتحديد المعايير المتبعة في ذلك، نشير أولا إلى أن كلمة” الدستور” ليست عربية الأصل، وإنما هي كلمة فارسية مركبة من “دست” وتعني القاعدة، ومن كلمة “ور” بمعنى صاحب، فيكون معناها صاحب القاعدة، كما تعني في مجموعها أيضا القاعدة يعمل بمقتضاها، أو الدفتر الذي تجمع فيه قوانين الملك وضوابطه.

وتعني كلمة دستور Constitution في اللغة الفرنسية التأسيس أو التكوين Etablissement أو النظام Institution ، ولا يخرج المعنى المقصود بكلمة دستور في اللغة العربية عن ذلك، رغم أن الكلمة ليست عربية الأصل ، وإنما هي كلمة فارسية الأصل، ويرجح أن تكون قد دخلت إلى اللغة العربية عن طريق اللغة التركية .

وللدستور مدلولان أو مفهومان، قانوني وسياسي ، ويعتمد في تعريفه على معيارين أساسين شكلي ومادي أو موضوعي .

المفهومان السياسي والقانوني للدستور:

1) المفهوم السياسي للدستور:

يسمى أيضا بالمفهوم الإيديولوجي، وفي إطاره يجسد الدستور الشرعية الديمقراطية التي هي تعبير عن الإرادة العامة، ويصهر المجتمع السياسي، كما يضمن وحدته وديمومته ، ويستمد هذا المفهوم جذوره من المادة 16 من الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن لسنة 1789 ، والتي تنص على أن كل مجتمع لا يضمن الحقوق ولا يقر فصل السلط ليس له دستور وطبقا لهذا الإعلان الصادر عقب الثورة الفرنسية، فإن الدستور يرتبط في المفهوم الإيديولوجي للثورة، بالنظام السياسي الذي يضمن الحريات الفردية ويقيد سلطة الحاكمين، والدستور طبقا لهذا المفهوم أيضا هو القناة التي تمر منها السلطة من مالكيها، أي الدولة، إلى خدامها، أي الحاكمين .

وقد انتقد هذا المفهوم الذي أعطي للدستور وذلك لكونه يفضل نوعا معينا من الأنظمة السياسية وهوالنظام الليبرالي على غيره، كما انتقد لكونه يشكل مفهوما سياسيا أكثر منه قانونيا لأنه حتى الدول المستبدة والدكتاتورية يمكن أن تتوفر على دستور، ولهذا تم هجر هذا المفهوم لصالح مفهوم قانوني أكثر تجردا ، وتم الاحتفاظ في إطار المفهوم السياسي فقط بمصطلح النظام الدستوري الذي يعني حكما مقيد الصلاحيات.

2) المفهوم القانوني للدستور:

يعتبر الدستور في المفهوم القانوني، مجموعة من القواعد القانونية التي تحدد طبيعة النظام السياسي في الدولة و والتي تحدد شكلها ( بسيطة أم مركبة) وشكل الحكم فيها ( ملكي أو جمهوري) ونوع النظام السياسي (رئاسي أم برلماني) كما أنها تحدد كيفية توزيع الاختصاصات بين السلطة التشريعية والتنفيذية، وطرق الوصول الى الحكم ( الانتخاب، الوراثة، التعيين) والحريات العامة المكفولة للمواطنين ( حرية التعبير، حق الانتخاب) وعلاقة الدولة بالدين (دولة لها دين رسمي أو دولة علمانية تفصل الدين عن الدولة).

فالدستور طبقا لهذا المفهوم يتولى تنظيم السلطات العامة في الدولة ويحدد اختصاصاتها والعلاقات التي تربط فيما بينها، كما يتولى تحديد حقوق وحريات المواطنات والمواطنين وواجباتهم.

ويعد المفهوم القانوني للدستور أكثر اتساعا وشمولا من سابقه، حيث أن الدستور طبقا لهذا المفهوم القانوني يشمل مجموع القواعد التي تنظم الدولة بخطوطها الرئيسية وحياة الجماعة البشرية ، لهذا ففي المفهوم القانوني الواسع والحديث، فإن القواعد القانونية الأساسية المشكلة للدستور لا تنحصر في الوثيقة الدستورية المدونة بل إنها توجد في الأعراف الدستورية والقوانين التنظيمية والقوانين الداخلية للبرلمانات والممارسات الدستورية التي تغني الدستور وتفسره أو تعد جزءا لا يتجزأ منه.

المفهوم الشكلي والمادي للدستور:

كلمة دستور تفيد البناء والتأسيس، أي التنظيم القانوني الأساسي، كما يطلق على الدستور قانون القوانين تمييزا له عن التشريعات والقوانين العادية التي تصدرها السلطة التشريعية في مجالات الحياة اليومية العادية المتجددة، وتعريف الدستور وتحديد محتواه، اعتمد الفقهاء معايير مختلفة، فمنهم من اعتمد المعيار الشكلي في تعريف الدستور ، ومنهم من اعتمد المعيار الموضوعي أوالمادي.

1) التعريف الشكلي للدستور :

يعتمد أنصار التعريف الشكلي للدستور، على معيار شكل الوثيقة الدستورية، بمعنى شكلها الخارجي مع ما يتضمنه بداخله من مقتضيات وأحكام ولهذا يعرفون الدستور بأنه مجموعة القواعد القانونية التي تتولى وضعها هيئة خاصة تسمى السلطة المؤسسة يختلف تكوينها باختلاف الدساتير، وتتبع في سنها وتعديلها وإلغائها إجراءات خاصة تختلف عن الإجراءات المتبعة في وضع وإلغاء القوانين العادية وعلى هذا الأساس أيضا يعتبر القانون الدستوري بأنه الدستور المطبق فعلا في وقت معين وفي بلد معين، والمنصوص عليه في وثيقة رسمية تسمى” الدستور “.

وإذا كان المعيار الشكلي يحصر مفهوم الدستور ومضمونه فيما تحتويه الوثيقة الدستورية فقط مع ما يترتب عن ذلك من سمو وعلو مقتضيات الدستور على غيرها من المقتضيات القانونية الأخرى فإن هذا المعيار وجهت له عدة انتقادات، منها:

-أن هذا التعريف حصر القانون الدستوري في القواعد الواردة في الوثيقة الدستورية المكتوبة، يؤدي إلى القول بأن قبل حركة تدوين الدساتير لم تكن هناك قواعد دستورية وهذا يؤدي إلى انكار صفة القواعد الدستورية عن الدول ذات الدساتير المكتوبة المرنة التي تجيز للسلطة التشريعية فيها تعديل نصوص الدستور وفق إجراءات سن وتعديل القوانين العادية.

-ان هذا التعريف وسع من مفهوم الدستور، حيث أضفى الطبيعة الدستورية على مجموعة من القواعد القانونية الواردة في الدستور وإن كانت لا ترتبط بممارسة الحكم في الدولة أو بالعلاقة بين السلط وبحقوق الأفراد وحرياتهم مثل القواعد المتعلقة بذبح الحيوانات (المنصوص عليها في الدستورالسويسري.)

-إن اعتماد المعيار الشكلي في تعريف الدستور، ينفي إمكانية وجود دساتير في الدول ذات الدساتير العرفية، لأن غياب الوثيقة المكتوبة لا يعني إنعدام الدستور، كما أن وجودها لا يعني أنها شاملة لكلما يتعلق بتنظيم السلطاتة.

– إن اعتماد هذا المعيار يؤدي إلى نفي وجود دساتير في الدول ذات الدساتير المرنة التي لا يشترط ضرورة اتباع إجراءات خاصة لتعديلها، وهذا الأمر غير صحيح.

كل هذه الانتقادات تجعل التعريف الشكلي للدستور غارق في الشكلية مما يتعذر معه تطبيقه من الوجهتين القانونية والسياسية، وبالتالي ضرورة الأخذ بتعريف أكثر شمولية مما دعى إليه أنصار هذا التعريف.

2) التعريف المادي للدستور :

يركز أنصار المعيار المادي في تعريف الدستور، على مضمون أو محتوى أو جوهر أو مادة القواعد التي يتناولها، فالشكل ليس هو المحدد للقانون الدستوري وإنما هو الموضوع والجوهر فالموضوعات المتعلقة بنظام الحكم تعتبر دستورية ومن اختصاص القانون الدستوري سواء وردت في الوثيقة أم لم ترد فيها.

وعلى هذا الأساس، فالدستور يشمل كل القواعد القانونية التي لها طبيعة دستورية سواء وردت في صلب الوثيقة الدستورية، أو في قوانين تنظيمية أو عادية، أو تقررت أحكامها بمقتضى عرف دستوري.

ويمكن تعريف الدستور من الجانب المادي ( الموضوعي)، بأنه ” مجموعة القواعد القانونية المتعلقة بتنظيم الدولة ومباشرة السلطة السياسية وممارستها وكيفية إنتقالها” ، فالدستور من الناحية الموضوعية يتعلق بالجوهر أكثر من إهتمامه بمضمونه وشكله، وقد يتعدى نطاقه إلى مواضيع غير واردة فيه.

وتبعا لهذا المعيار أيضا يمكن تعريف الدستور بأنه مجموع القواعد التي تنظم شكل الدولة ونظام الحكم وطبيعة العلاقة بين السلطات واختصاصاتها والقواعد التي تضمن حقوق الأفراد وحرياتهم بصرف النظر عن تضمينها في وثيقة أم غيرها”.

وطبقا للمعيار الموضوعي في تعريف الدستور، يمكن القول بأن جميع الدول تتوفر على دستور، لأن غياب الدستور المكتوب لا يعني انعدام أو غياب الدستور بالكل.

ومن إيجابيات هذا التعريف، هو أنه يعتبر كل القواعد المتعلقة بنظام الحكم في الدولة أو بالسلطات العامة فيها أو بحقوق الأفراد وحرياتهم، قواعد دستورية بغض النظر عن ورودها في الدستور أم لا، ومن جهة أخرى فإن هذا التعريف ينفي الطبيعة الدستورية عن مجموعة من القواعد على الرغم من ورودها في الدستور، ولا يعتبرها من مواضيع القانون الدستوري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى