المادة الدستورية

محتويات الدستور

على الرغم من اختلاف الدساتير من دولة لأخرى، وداخل نفس الدولة باختلاف الحقب والظروف التاريخية، فإن جل دساتير دول العالم تتضمن تباعا مجموعة من الأبواب والأقسام والتي تتمحور غالبا حول مواضيع مختلفة، كتنظيم ممارسة السلطة، والتعبير عن فكرة القانون الموجهة للدولة، والنص على حقوق الأفراد وحرياتهم ، كما قد تتضمن هذه الدساتير مجموعة من الأحكام والمقتضيات التي لا علاقة لها بتنظيم الحكم في الدولة.

المقتضيات الخاصة بممارسة السلطة وبالقانون وحقوق الانسان في الدولة.

ترد هذه المقتضيات في كل الدساتير بدون استثناء، حيث أن جميع الدساتير تتضمن مجموعة من الأحكام المتعلقة بممارسة السلطة في الدولة ، كما تتضمن النص على مجموعة من الأفكار والمقتضيات التي تحدد التوجهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة، هذا إضافة إلى مجموعة من الأحكام والنصوص الأخرى المرتبطة بحقوق الإنسان والحريات العامة.

1) تنظيم ممارسة السلطة :

تشكل المقتضيات والأحكام المرتبطة بتنظيم ممارسة السلطة داخل الدولة، النواة الأساسية للدستور وقد كان وضع هذه الأحكام والمقتضيات من أهم الأهداف التي كانت وراء وضع الدساتير.

فالدستور هو الذي يتولى تحديد السلطات داخل الدولة، والأعضاء أو الجهات المنوط بهم ممارسة هذه السلطات كما يتولى الدستور تحديد اختصاصات كل سلطة على حدة، وضبط وتنظيم العلاقات بين هذه السلط.

وبالرجوع إلى دستور المملكة المغربية على سبيل المثال، نجده يخصص الباب الثالث للمؤسسة الملكية، والباب الرابع للسلطة التشريعية (البرلمان)، والباب الخامس للسلطة التنفيذية ( الحكومة) والباب السادس لعلاقات السلط بعضها ببعض، والباب السابع للسلطة القضائية، والباب الثامن للمحكمة الدستورية، والباب التاسع للجهات والجماعات الترابية الأخرى….

و ما دام الدستور هو وثيقة مقتضبة، فإنه يحيل فيما يخص التفاصيل على القوانين التنظيمية لتتميمه كما أنه يحيل فيما يتعلق بنظام البرلمان على القانون الداخلي للبرلمان الذي يضعه بنفسه ، وبمعنى آخر فإن الدستور على الرغم من تضمينه لمجموعة من المقتضيات المنظمة لممارسة السلطة في الدولة، فإن ذلك التنظيم لا يمكن أن يكون شموليا نظرا لاستحالة تضمين الدستور المكتوب جميع القواعد الخاصة بنظام الحكم، وهنا يأتي دور العرف الدستوري الذي يوجد إلى جانب الدستور المكتوب، كما يأتي دور المشرع العادي لتكملة النقص الوارد في الدستور، إما من تلقاء نفسه، وإما بتكليف من المشرع الدستوري.

2) التعبير عن فكرة القانون الموجهة للدولة :

الدستور هو الذي يحدد الأفكار السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بل وحتى الدينية، التي تؤطر النظام السياسي بأسره . حيث غالبا ما نجد في جل الدساتير بعض الأفكار التي تحدد الاتجاه القانوني والإيديولوجي الذي تعمل في إطاره مؤسسات الدولة، وتظهر هذه الأفكار بشكل جلي، وبطريقة مفصلة في دساتير الدول الاشتراكية والدول الحديثة العهد بالاستقلال، وأيضا في دساتير الدول الغربية ولكن بشكل أقل، وهذا ما دفع بالأستاذ موريس دو فرجيه M . Duverger ، إلى اعتبار الدساتير التي تفصل بشكل دقيق في الفلسفة والإيديولوجية المتبناة من طرف الدول، بمثابة برامج انتخابية، ولهذا فهي دساتير برامج على خلاف دساتير الدول الغريبة خاصة منها الصادرة في القرن العشرين التي تعد دساتير قوانين.

ولما كان التنظيم السياسي في الدولة ليس غاية في ذاته، وإنما هو وسيلة لتحقيق هدف معين، فإن الدساتير تبعا لذلك لا تكتفي بتعيين الهيئات الحاكمة أو تحديد اختصاصاتها، وإنما تحدد الهدف الذي من أجله تم تنظيم تلك الهيئات الحكومية، والطرق التي يجب أن يسلكها نشاط تلك السلطات . ورغم ورود مثل هذه الأفكار في إطار الدستور، إلا أنها لا تعد حسب أغلبية الفقهاء من صميم الموضوعات الدستورية، وهي لا تعتبر من مواضيع القانون الدستوري، وإنما تهم مختلف فروع القانون، ويبقى الهدف من إيرادها في الدستور هو تمتيعها بقيمة قانونية عالية، وجعلها في منآى عن تدخل المشرع العادي، وتحديد الأهداف والقيم العامة التي تعمل سلطات الدول من أجل تحقيقها وتستأنس بها في سائر أعمالها وتصرفاتها.

3) حقوق الإنسان :

لقد دأب المشرع الدستوري في أغلب الدساتير على المستوى الدولي على النص في صلب الوثيقة الدستورية على مجموعة من الحقوق والحريات الفردية والجماعية، وعلى مجموعة من الواجبات أيضا، والهدف من ذلك هو تعريف الشعب والحكام بحقوق الأفراد وحرياتهم، وجعلها قيدا على الحكام في ممارسة سلطاتهم واختصاصاتهم.

ويعد ضمان حقوق الإنسان والحريات العامة من أهم مقومات دولة الحق والقانون، وهو معيار لتمييز الدول الديمقراطية عن غيرها من الدول الدكتاتورية.

وقد عرفت هذه الحقوق والحريات تطورات هامة، خاصة بعد صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العاشر من دجنبر 1948 ، وصدور العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية سنة 1966 كما أصبحت هذه الحقوق والحريات تحظى بمكانة هامة في جل الدساتير المعاصرة.

وبالرجوع إلى دستور المملكة المغربية لسنة 2011 على سبيل المثال، نجد المشرع الدستوري ينص في تصدير الدستور على أن ” المملكة المغربية، العضو النشيط في المنظمات الدولية، تتعهد بالتزام ما تقتضيه مواثيقها من مبادئ و حقوق واجبات، وتؤكد تشبثها بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا كما تؤكد عزمها على مواصلة العمل للمحافظة على السلم والأمن في العالم.”

كما جاء في تصدير الدستور المغربي التأكيد على التزام المغرب بالعمل على:حماية منظومتي حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والنهوض بهما، والإسهام في تطويرهما مع مراعاة الطابع الكوني لتلك الحقوق، وعدم قابليتها للتجزيء. وحظر ومكافحة كل أشكال التمييز بسبب الجنس أو اللون أو المعتقد أو الثقافة أو الانتماء الاجتماعي أو الجهوي أو اللغة أو الإعاقة أو أي وضع شخصي مهما كان. وجعل الاتفاقيات الدولية، كما صادق عليه المغرب، وفي نطاق أحكام الدستور، وقوانين المملكة وهويتها الوطنية الراسخة، تسمو، فور نشرها على التشريعات الوطنية، والعمل على ملائمة هذه التشريعات، مع ما تتطلبه تلك المصادقة. “

وإلى جانب تلك المقتضيات، فقد تضمن دستور 2011، في بابه الثاني بابا خاصا بالحقوق والحريات الأساسية (الباب الثاني) ، كما تضمن العديد من الأحكام المرتبطة بحقوق الإنسان في الكثير من الأبواب والفصول الدستورية الأخرى .

وبصفة عامة فالدستور خاصة إذا كان قد وضع بطريقة ديمقراطية يعد من أهم ضمانات حقوق الإنسان، ويعتبر ذلك من أهم المقومات والركائز التي تقوم عليها دولة الحق والقانون.

نشير إلى أن دستور 2011 حسم النقاش بخصوص القيمة القانونية لديباجة الدستور، وذلك حينما نص بشكل صريح على أن تصدير الدستور يشكل جزءا لا يتجزأ من الدستور.

القواعد التي لا علاقة لها بتنظيم الحكم.

إلى جانب القواعد المتصلة بنظام الحكم في الدولة، والتي تشكل صلب وجوهر مادة القانون الدستوري، فإن العديد من الدساتير تتضمن مجموعة من القواعد والمقتضيات التي لا علاقة لها بتاتا بتنظيم السلطات العامة في الدولة، مثل القواعد التي تعالج أمورا تدخل في إطار أحد فروع القانون العادي كالقانون الإداري مثلا، أو القانون الجنائي، أو القانون المدني،

وكمثال على ذلك ما تنص عليه المادة 59 من النظام الأساسي للحكم في المملكة العربية السعودية، من أن يبين النظام أحكام الخدمة المدنية، بما في ذلك المرتبات والمكافات والتعويضات والمزايا والمعاشات التقاعدية”،

وماتنص عليه أيضا المادة 38 من نفس النظام، من أن العقوبة شخصية، ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على نص شرعي أو نص نظامي، ولا عقاب إلا على الأعمال اللاحقة للعمل بالنص النظامي”.

وكمثال على ذلك أيضا ما تضمنته المادة 55 مكرر من دستور الاتحاد السويسري، والمتعلقة بالمذياع والتلفاز، والتي جاء في فقرتها الثانية بأنه …” يجب أن يسهم المذياع والتلفاز في التطور الثقافي والترفيه على المستمعين والمشاهدين وفي التشكل الحر للآراء ويجب أن تأخذ وسائل الاتصال هذه في اعتبارها خصوصيات الدولة واحتياجات المقاطعات، ويجب أن تقدم الأحداث بشكل وقائع وأن تعطي انطباعا غير منحاز لوجهات النظر المتعددة. “….

فكل هذه القواعد والمقتضيات على الرغم من أهميتها، لا علاقة لها بتنظيم السلطات العامة في الدولة .ويبقى هدف المشرع الدستوري من إدماجها في صلب الوثيقة الدستورية، هو جعلها في نفس مرتبة وقيمة القواعد الدستورية، وجعلها بعيدة عن متناول المشرع العادي.

وهذه القواعد والأحكام لا تدرس في إطار مادة القانون الدستوري، وإنما تدرس في إطار مجموعة أخرى من فروع القانون بنوعيه العام والخاص.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى