المادة الدستورية

طرق وضع الدساتير

إن الدستور يتم وضعه بصفة عامة من أجل تنظيم السلطات العامة في الدولة، وتحديد وضبط العلاقات التي تبين علاقة مؤسسات الدولة ببعضها البعض، وتحديد حقوق الأفراد والجماعات وحرياتهم والتزاماتهم تجاه الدولة، والدستور كوثيقة مكتوبة يتم وضعه في حالات متعددة من الصعب ضبطها وعلى العموم فهو يوضع عندما تحصل المستعمرات على استقلالها، أو عندما يحصل تغيير في النظام السياسي بفعل ثورة أو انقلاب، أو عندما يريد الحكام البحث عن قاعدة لمشروعية حكمهم، أو عندما يسفر تطبيق الدستور عن فشل، أو عندما تتحد مجموعة من الدول في إطار دولة اتحادية فتضع لأول مرة دستور ينظم حكم المؤسسات الفيدرالية .

إن طريقة وضع الدستور قد تختلف من دولة لأخرى، كما قد تختلف في إطار نفس الدولة باختلاف الظروف السياسية وتتأثر طريقة وضع الدستور بنظام الحكم في الدولة ، فإذا كان هذا النظام ديمقراطيا، اتبع في وضع الدستور أسلوبا ديمقراطيا، وإذا كان غير ذلك اتبع أسلوبا غير ديمقراطي.

وتسمى السلطة التي تتولى وضع الدستور أول مرة بالسلطة التأسيسية الأصلية، أما السلطة التي تتولى تعديله ومراجعته بعد دخول أحكامه ومقتضياته حيز التطبيق، فتسمى بالسلطة التأسيسية الفرعية.

ويتعلق البحث في طرق وضع الدساتير بالدساتير المكتوبة فقط التي تأخذ شكل وثيقة دستورية معينة، ولا ينصرف البحث مطلقا إلى الدساتير العرفية التي لا يتصور الاتفاق على طريقة معينة لوضعها، لأن منشأها العرف الذي ينشئها قاعدة في أوقات مختلفة وفي ظروف متغايرة، ويعترف بها كقواعد دستورية ملزمة وإن لم تثبت في وثيقة مكتوبة

الطرق غير الديمقراطية:

في إطار هذه الوسائل إما أن تكون الوثيقة الدستورية المراد اعدادها عبارة عن “منحة “من الحاكم إلى الشعب ، وإما أن يوضع الدستور في صورة عقد يربط الحاكم بالشعب.

1) الدستور الممنوح :

يقصد بالمنحة كأسلوب لوضع الوثيقة الدستورية، وهو حينما يتم انشاء الدستور بإرادة الحاكم، أي ينفرد الحاكم بوضع الدستور دون مشاركة أو مساهمة من جانب الشعب ، فبمقتضى هذه الطريقة يكون هناك انعدام تام لأية مشاركة شعبية في وضع الدستور الممنوح، وفي هذه الحالة ينشأ الدستور كهبة أو منحة من الحاكم لشعبه، يحدد فيه سلطات الدولة واختصاصاتها، وما يتمتع به الأفراد من حقوق عامة وحريات فردية.

ويعد الدستور الذي يوضع عن طريق المنحة، كآلية انتقالية، من مرحلة الحكم الملكي المطلق إلى مرحلة الحكم الملكي المقيد، بمقتضاه يتنازل الحاكم عن جزء من سيادته وسلطاته المطلقة لصالح المحكومين (الشعب).

وقد يمنح الملك الدستور لشعبه بمحض إرادته واختياره، رغبة منه في تنظيم شؤون الدولة وتقربا منه لرعاياه من باب الحكمة وبعد النظر وقد يصدر الدستور تحت ضغط وإلحاح من جانب الشعب يخشى الملك معه الثورة أو الانفجار.

ومن أمثلة الدساتير التي وضعت بأسلوب المنحة، نذكر دستور فرنسا لسنة 1814 ، ودستور مصر لسنة 1923 ، ودستور قطر لسنة 1972، كذلك بعض الأنظمة العربية كالنظام الأساسي للحكم بالمملكة العربية السعودية لسنة 1990 ، والذي جاء في ديباجته ما يلي” : بعون الله تعالى، نحن فهد بن عبد العزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية، بناءا على ما تقتضيه المصلحة العامة للوطن، ونظرا لتطور الدولة في مختلف المجالات، ورغبة منا في تحقيق الأهداف التي تسعى إليها، أمرنا بما هو آت : أولا إصدار النظام الأساسي للحكم بالصيغة المرفقة بهذا. ثانيا يستمر العمل بكل الأنظمة والأوامر والقرارات المعمول بها عند نفاذ هذا النظام حتى تعدل بما يتفق معه. ثالثا ينشر هذا النظام في الجريدة الرسمية ويعمل به اعتبارا من تاريخ نشره”.

ونتيجة هذا فإن الحكام كانوا شديد الحرص على ضمان ما يفيد معنى الدستور الممنوح من عبارات وجمل توثق في ديباجة الدساتير.

والفقه الدستوري اختلف حول قيمة الدستور الممنوح ومدى سلطات المالك في ما منحه او التخلي عنه، فبعض الآراء تعطي لمن يمنح الدستور حق استرجاعه طبقا لقاعدة أن من يعطي يملك ان يتراجع عما منحه ، لكن أقلية قليلة من الفقهاء هي التي تعتمد هذا الرأي أما غالبية الفقهاء فتذهب إلى أنه ليس من حق الملوك والحكام سحب الدساتير التي منحوها، لأن منح تلك الدساتير ترتبت عنه مجموعة من الحقوق لصالح أفراد الشعب، وأصبحت بمثابة حقوق مكتسبة لا يمكن إعدامها، وكل مساس بها من شأنه أن يؤدي إلى قيام الثورة من أجل الدفاع عن تلك الحقوق، وتعليل ذلك هو أن الحاكم حينما يمنح الدستور ويتنازل بإرادته عن بعض سلطاته يكون قد التزم قانونا بما منحه.

وفضلا عن ذلك فإن المنحة تعد التزاما بإرادة منفردة، والقاعدة المقررة في هذا الصدد أن الالتزام بالإرادة المنفردة يقيد شخص الملتزم وبالتالي لا يجوز له الرجوع فيه.

وقد انتقدت هذه الطريقة بكونها تعد دليلا على عدم تقدم الروح الديمقراطية، كما أنها تجرح كرامة المواطن، ولهذا فهي تعد طريقة غير ديمقراطية لا يمكن أن توجد إلا في ظل نظام غير ديمقراطي، وهي أسلوب في طريقه إلى الزوال بصفة نهائية.

2) الدستور التعاقدي :

وتسمى أيضا بطريقة الاتفاق، وفيها يكون الدستور ناتجا عن تعاقد بين الحاكم وشعبه، فتتلاقى إرادة الطرفين في وضع مجموعة من القواعد الدستورية يقبل كل منها الخضوع لها، وتعد هذه الطريقة أكثر ديمقراطية من طريقة المنحة، لأن بمقتضاها تظهر إرادة الشعب إلى جانب إرادة الحاكم، فالدستور يوضع بشراكة بين الحاكم والشعب وكنتيجة لذلك فأحكام الدستور تلزم الحاكم كما تلزم أفراد الشعب، ولا يحق للحاكم الخروج عنها أو تعديلها بإرادته المنفردة بل لابد له من موافقة الشعب الذي يعتبر طرفا في العقد لا يمكن تجاوزه.

وغذا كان أسلوب العقد في وضع الدساتير من المزايا الإيجابية باعتباره جسرا تنتقل من خلاله الأمة من مرحلة السكون الى مرحلة المشاركة واتخاذ القرار في قانونها الأساسي وتقرير ماتراه مناسبا ومتلائم مع اتجاه الحاكم، وبالتالي خطوة هامة من خطوات التطور الديمقراطي وان أهم ما يوجه لهذا الأسلوب في وضع الدساتير من نقد هو أن الحاكم وحده كفرد عندما يشارك الأمة في وضع الدستور وإصداره فإنه يتساوى مع هذه الأمة بكل ما تحتويه من أفراد وهذا الأسلوب يتنافى مع الديمقراطية وحقيقتها .

ومن أمثلة الدساتير التي صدرت في صورة عقد تذكر دستور فرنسا لسنة 1830، ودستور الأردن لسنة 1952، ودستور الكويت الصادر سنة 1962، ودستور دولة البحرين لسنة 1973.

وعلى الرغم من كون طريقة العقد، تعد خطوة أساسية في طريق الديمقراطية، وعلى الرغم من كونها تفضل بكثير طريقة المنحة، إلا أنها تعد مع ذلك طريقة غير ديمقراطية، لكون الملك (الحاكم) ، يعد في هذه الحالة مساويا للأمة (الشعب) ، مع أنه لا يقتسم معها حق السيادة فالسيادة هي ملك للشعب وحده، ولا يتقاسمها مع الحكام، ويعتبر هذا الأمر من أهم الشروط التي تقوم عليها الديمقراطية، وترتكز عليها دولة الحق والقانون.

الطرق الديمقراطية:

على خلاف الطرق غير الديمقراطية، فإن الطرق الديمقراطية في وضع الدساتير ترتكز أساسا على دور الشعب في وضع الدستور، فالشعب هو صاحب السيادة وإليه توكل السلطة التأسيسية الأصلية التي تعد أعلى السلطات في الدولة، وتبعا لذلك فالدستور يوضع بواسطة أفراد الشعب.

وحينما يتم الأخذ بهذا الأسلوب الديمقراطي في وضع الوثيقة الدستورية، يؤدي الى انتصار إرادة الشعوب وانتقال السيادة من الحاكم إلى الشعب، حيث تكون الوثيقة الدستورية من عمل الأمة ذاتها ووحدها، ويمكن أن نميز بين أسلوبين وهما: أسلوب الجمعية التأسيسية. وأسلوب الاستفتاء الدستوري.

1)وضع الدستور عن طريق الجمعية التأسيسية :

بواسطة هذه الطريقة، يقوم الشعب بانتخاب هيئة نيابية يناط بها مهمة وضع الدستور، وتسمى هذه الهيئة النيابية بالجمعية التأسيسية أو المجلس التأسيسي، وتبعا لهذه الطريقة يصدر الدستور ويصير نافذا بمجرد إقراره من جانب الجمعية التأسيسية، دون أن يتوقف ذلك على موافقة أحد.

وتعتبر طريقة الجمعية التأسيسية من نتائج إعمال نظرية السيادة الشعبية التي ترجع أصل كل السلط إلى الشعب صاحب السيادة . فالشعب يدعى إلى انتخاب جمعية تأسيسية تنوب عنه وتنحصر مهمتها فقط في وضع الدستور الذي يصبح نافذا وساري المفعول بمجرد وضعه دون حاجة إلى عرضه على المصادقة الشعبية من جديد.

وتعد هذه الطريقة أكثر ديمقراطية من غيرها من طرق المنحة والعقد، حيث يعد الشعب هو وحده المهيمن على وضع الوثيقة الدستورية.

ومن أمثلة الدساتير التي وضعت عن طريق الجمعية التأسيسية الدستور الفيدرالي للولايات المتحدة الأمريكية الصادر سنة 1787 ، ودستور البرتغال لسنة 1976 ، ودستور تونس لسنة 2014.

2) وضع الدستور عن طريق الاستفتاء الدستوري :

تعتبر طريقة اللجوء الى الاستفتاء الشعبي في وضع الدساتير التطبيق الحقيقي للديمقراطية المباشرة حيث من خلاله يباشر الشعب بنفسه سلطاته دون مشاركة أحد ويفهم من الاستفتاء اصطلاحا “إبداء الرأي بشأن قضية أو موضوع معين قد يكون دستوريا أو سياسيا أو اجتماعيا أو حتى خاصا بالأمور المرتبطة بالعلاقات الخارجية “.

تبعا لطريقة الاستفتاء الدستوري، يتم وضع مشروع الدستور عن طريق جمعية نيابية أو لجنة فنية تقوم بمجرد تحضيره وإعداده، ثم يعرض هذا المشروع على الشعب لاستفتائه فيه .ولا يأخذ الدستور قوته الملزمة بطبيعة الحال إلا بعد موافقة الشعب عليه وإقراره له في الاستفتاء، فإذا تم ذلك صار الدستور نافذا دون حاجة إلى عرضه على الحاكم بعد ذلك للموافقة عليه.

وتتميز طريقة الاستفتاء الدستوري عن طريقة الجمعية التأسيسية، في كون هذه الأخيرة تجعل أمر المصادقة النهائية على الدستور بيد الجمعية النيابية التي ينتخبها الشعب، ويصبح الدستور نافذا بمجرد إصداره من طرفها.

أما في طريقة الاستفتاء الدستوري فإن أمر المصادقة النهائية على الدستور يرجع إلى الشعب وحده دون غيره مهما كانت الجهة التي قامت بإعداد وتحضير مشروع الدستور.

ومن أمثلة الدساتير التي وضعت عن طريق الاستفتاء الدستوري، دستور فرنسا لسنة 1958 ودستور الجزائر لسنة 1989 ، ودستور إسبانيا لسنة 1978.

وطبقا لهذا الأسلوب أيضا صدرت جميع دساتير المملكة المغربية ابتداءا بدستور سنة 1962 وانتهاء بدستور سنة 2011 ، ويؤكد أغلبية الفقه على ديمقراطية هذه الطريقة التي تعتمد على موافقة الشعب ، فهي أصدق الطرق والأساليب تعبيرا عن الرأي الحقيقي للأمة، مما جعل الاتجاه الدستوري الغالب في الوقت الحاضر يفضل الأخذ بها، كطريقة تفضل غيرها من الطرق في وضع الوثيقة الدستورية.

ولكن على الرغم من أفضلية هذه الطريقة على الطرق الأخرى، فإن نجاحها يبقى مرهونا بمدى ارتفاع درجة وعي الشعب الذي يرجع إليه أمر الموافقة على مشروع الدستور المعروض عليه أو رفضه، كما يبقى مرهونا بمدى توفر الإرادة السياسية الحقيقية والكاملة الهادفة إلى تحقيق الديمقراطية.

وجدير بالذكر أن رجال الفقه الفرنسي لا يرحبون بالاستفتاء الشعبي، الذي يطلق عليه الاستفتاء السياسي، تمييزا له عن الاستفتاء الدستوري، حيث يرون أن الأول (الشعبي أو السياسي) يستعمل كواجهة فقط لإخفاء حقيقة النظام الدكتاتوري، وإضفاء الشرعية عليه عن طريق استطلاع رأي الشعب دون أن يكون لهذا الأخير أي دور حقيقي في إقرار الدستور نظرا لكون الشعب في غالب الحالات يقبل ما يعرض عليه في ظروف يتعذر عليه أن يفعل خلاف ذلك ، كما أن هذا النوع من الاستفتاء أي السياسي غالبا ما يكون مقرونا بنسبة تزوير كبيرة لإرادة الشعوب.

و اعتمادا على هذا التفريق والتمييز بين الاستفتاء الدستوري (الذي يعد ديمقراطيا) والاستفتاء الشعبي الذي غالبا ما يكون مجرد واجهة فقط تخفي الكثير من الحقائق ، يمكن القول بأن أغلبية دساتير دول العالم الثالث التي تأخذ بطريقة الاستفتاء في وضع دساتيرها، تندرج في إطار الاستفتاء السياسي، لهذا غالبا ما يتم إقرار الدستور بنسبة تصويت خيالية قد تصل إلى نسبة %99.99% من المصوتين لصالح الدستور.

وتبقى طريقة الاستفتاء الدستوري أفضل طريقة ديمقراطية لوضع دستور ديمقراطي، وتعد من أهم ركائز ودعائم دولة الحق والقانون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى