المادة الإدارية

تعريف القانون الإداري

داب فقهاء القانون على التمييز في مجال الدراسات القانونية انطلاقا من تقسيم القانون إلى قانون عام وقانون خاص، وذلك حسب جوهر القواعد القانونية التي ينظمها، وحسب طبيعة الأطراف المرتبطة بتطبيق هذا القانون. هذا ويعتبر القانون الإداري فرعا من فروع القانون العام الداخلي وذلك الى جانب القانون الدستوري والقانون المالي والعلوم الإدارية ، وذلك تمييزا له عن فرع القانون العام الخارجي الذي يشمل القانون الدولي العام، قانون المنظمات الدولية، قانون المعاهدات الدولية والعلاقات الدولية …. فبقدر ما يرتبط القانون الدستوري والمؤسسات السياسية بالأجهزة السياسية الدولية، فإن القانون الإداري يرتبط بالأجهزة الإدارية للدولة، ففي الوقت الذي يبحث القانون الدستوري في أصل وشرعية الحكم والمؤسسات السياسية للدولة، فإن القانون الإداري يبين كيفية اشتغال ميكانيزمات عمل هذه المؤسسات، وهذا ما أوضحه الأستاذ بارتيملي Berthelemy حينما أكد: “أن القانون الدستوري يرينا كيف شيدت الأداة الحكومية، وكيف ركبت أجزاؤها. أما القانون الإداري فيوضح كيف تعمل الإدارة وكيف يتحرك كل جزء من تلك الأجزاء”.

من هنا يتبين وجود ارتباط حتمي بين القانون الدستوري والقانون الإداري، فكل منهما يتناول السلطة التنفيذية من جهة معينة، فإذا كان القانون الدستوري يتناول السلطة التنفيذية باعتبارها سلطة سياسية حكومية، فإن القانون الإداري يتناولها من زاوية إدارية أو قيامها بالوظيفة الإدارية من حيث تسييرها للمرافق العامة، وحماية النظام العام بمداولاته الثلاث ( السكينة العامة، والطمانينة العامة والأمن العام).

إلا أن ارتباط القانون الإداري بالأجهزة الإدارية للدولة يجعله أقرب قانون خدمة للإدارة لذلك فهو ينتزع صفته ونعته منها وتبعا لذلك لا يمكن تحديد مجالات القانون الإداري بدون معرفة العلاقة المتواجدة بين القانون الإداري والإدارة.

كما أنه اعتبارا للتطورات المتتالية التي يعرفها القانون الإداري من جهة والتطورات الخاصة في النشاط الإداري فإنه لا يمكن حصر القانون الإداري في الإدارة، كما أنه لا يمكن حصر نشاط الإدارة في القانون الإداري لكون أن نشاط الإدارة يمكن أن يشمل العديد من المجالات والميادين التي قد لا يشملها القانون الإداري والتي لها ارتباط بالحياة اليومية للمواطنين لكون الإدارة تسعى دائما إلى تحقيق الصالح العام بمدلوله العام وبالتالي يمكنها اللجوء إلى غير قواعد القانون الإداري مادامت المصلحة العامة تفرض هذا الاستثناء .

علاقة القانون الإداري بالإدارة :

فمن الناحية التاريخية تعود نشأة القانون الإداري الذي تخضع له الإدارة إلى التطورات العارضة التي سايرت تطور المجتمع الفرنسي ومنها أحداث الثورة الفرنسية لسنة 1789 التي طبعت الإدارة الفرنسية بمجموعة من المميزات والخصائص.

ومن الناحية الجوهرية والمادية يمكن الإشارة إلى أن وجود قانون إداري خاص بالإدارة يعود إلى عنصرين أساسيين هما:

العنصر الأول: ويكمن في طبيعة النشاط الذي تقوم به الإدارة، هذا النشاط الذي يختلف من حيث الأهداف والمصلحة عن النشاط الذي يمارسه الخواص، فإذا كان الأفراد يتوخون من خلال ما يقومون به من نشاط هو تحقيق مصالحهم الخاصة، فإن نشاط الإدارة يرمي إلى تحقيق المصلحة العامة.

ولجعل الإدارة تتمكن من تحقيق تلك الأهداف لابد من تمكينها من الوسائل القانونية الكفيلة بمساعدتها على إنجاز مهامها على أكمل وجه وبذلك كان لابد من اللجوء إلى قواعد القانون الإداري.

أما العنصر الثاني: وهو أن حاجيات الإدارة تختلف اختلافا بينا عن الحاجيات المرتبطة بالخواص من حيث طبيعتها وأهدافها، لذلك كان من الضروري إيجاد قانون كفيل بتمكين الإدارة من تحقيق تلك الحاجيات مادامت أن الإدارة تسعى إلى تلبية حاجات عامة لمجموع أفراد المجتمع وبالتالي تحقيق المصلحة العامة وهذا ما أشار إليه أحد فقهاء القانون العام عند تطرقه إلى تقسيم القانون إلى مجموعة من الفروع المختلفة تستلهم وجودها من نوعية القوانين التي تتشكل منها كل قاعدة حيث جاء فيه: “… إن المشاكل التي تطرحها الإدارة لم يتم حلها بطريقة عرضية فعلا إلا في الوقت الذي تم فيه تمييز القانون الإداري كمادة خاصة”.

وعموما فبقدر ما يصعب تقديم تعريف متكامل وشامل للقانون الإداري يصعب تقديم تعريف للإدارة نفسها. فطبيعة القانون الإداري المتجددة والمتطورة تجعل من الصعب وليس من المستحيل الإلمام بظاهرة القانون الإداري، كما أنه اعتبارا لتعدد النشاطات الإدارية للإدارة وعدم انحصارها في المرافق الكلاسيكية التي تتجسد في مرفق الأمن والدفاع والقضاء أو ما يعرف بالدولة الدركية Etat Gendarme، إذ أنه يمكن للإدارة أن تباشر بعض الوظائف خارج دائرة هاته النشاطات التقليدية مما يصعب معه حصر القانون الإداري في الإدارة وحصر نشاط الإدارة في القانون الإداري

تعريف القانون الإداري :

تجدر الإشارة إلى أن التعاريف المقدمة من لدن الدارسين والباحثين تجمع كلها على ربط أي تعريف للقانون الإداري بالإدارة، إلا أن التباين والاختلاف يكمن في مدى ومحتوى هذا الربط أي في محتوى علاقة القانون الإداري بالإدارة. فالدكتور محمد فؤاد مهنا في تعريفه للقانون الإداري يعتمد على معيار السلطة العامة، وعلى ذكر بعض خصائص القانون الإداري التي تميزه في فروع القانون الأخرى مما جعل تعريفه هذا للقانون الإداري يأتي مطولا بغية تقديم تعريف متكامل وشامل للقانون الإداري، مما يجعل هذا التعريف يحتاج بدوره إلى استخراج واستنباط عدة تعاريف أخرى حيث جاء في تعريفه للقانون الإداري كالتالي : “القانون الإداري قانون عام قضائي يحكم السلطات الإدارية في الدولة وهي تعمل على مباشرة وظائفها بوصفها سلطات عامة تتمتع بحق السيادة المقررة للدولة، وتباشر اختصاصاتها معتمدة على ما تملكه بهذه الصفة من حقوق وامتيازات خاصة”.

وهناك من يعرف القانون الإداري باعتباره امتداد للقانون الدستوري ويسند إلى معيار المرفق العام، ويعتبر القانون الإداري هو قانون المرافق العمومية، واعتبر أنصار هذا الاتجاه أن الإدارة مسؤولة عن ضمان حسن سير المرافق العامة دون الاكترات بنوعية السلطة التي تتوفر عليها لذلك جاء تعريفها للقانون الإداري على أنه : فرع القانون العام الداخلي الذي يشمل تنظيم ونشاط ما نسميه عادة بالإدارة، يعني مجموع السلطات والأعوان و الهيات المكلفة تحت إشراف السلطة السياسية، بإنجاز مختلف تدخلات الدولة الحديثة”.

وقد سار في نفس الاتجاه كل من الفقيه ميشال روسي Michel Rousset، والفقيه جان كارنييون J. Garagnon الذي ذهب فيه الفقيه دولو بادير A.Delaubadere.‏

كما ينطلق بعض الفقهاء من فكرة وجود قانون مستقل يطبق على الإدارة حيث يرى أنصار هذا الاتجاه القانون الإداري هو: “مجموع القواعد القانونية الخاصة التي تحكم الإدارة والمطبقة من قبل القاضي الإداري”.

وفي نفس الاتجاه ذهب الأستاذ عبد العزيز بنجلون حيث جاء في تعريفه للقانون الإداري بانه مجموعة قواعد القانونية مستقلة تطبق على الأشخاص العامة”. فلعل تقديم الفقيه لتعريف مختصر للقانون الاداري جعله يغفل أسس القانون الاداري خاصة الأساس الموضوعي الذي هو (النشاط)، فنحن نبحث عن القانون الاداري في نشاط الأشخاص العمومية بحيث يمكن للأشخاص العمومية أن تقوم بنشاط عام كما يمكن أن تقوم بنشاط خاص والملاحظ أن الاتجاه الذي يرتكز على فكرة استقلالية قواعد القانون الإداري إذا كان قد لقى صدى واستحسانا لدى الاجتهاد القضائي كما يتجلى ذلك من خلال بعض القرارات القضائية الصادرة عن مجلس الدولة الفرنسي كمثال على ذلك حكم بلانكو Blanco الصادر عن محكمة التنازع الفرنسية بتاريخ 8 فبراير 1873 فإنه لقي تحفظا من طرف العديد من فقهاء القانون الإداري مثل شارل ازینمان Eisenman جان فالين J. Waline، فالأول الذي قال بوجود قانون إداري خاص يتكون من قواعد قانونية خاصة لا تطبق إلا على الادارة هو رأي لا يمكن الجزم به دائما ما دام أن القانون الإداري لا يعد القانون المنفرد والوحيد الذي يطبق على الادارة، أما الثاني فقد أشار إلى أهمية رجوع القضاء الإداري الى قواعد القانون الخاص لتطبيقها على الدعاوى القضائية الادارية، حيث اعتبر هذا الفقيه أن التصور التقليدي الذي يعتبر أن القانون الخاص هو استثناء من مبدأ استقلالية القانون الإداري، قد عرف انكماشا مادام أن القانون الإداري يستلهم العديد من مفاهيم ومصطلحات القانون الخاص ويصبغ عليها الصبغة الإدارية، ان يقوم القاضي الإداري بدور هام في استنباط هذه المفاهيم وإضفاء الصبغة الإدارية عليها.

في حين يذهب الأستاذ محمد مرغيني في مؤلفه المبادئ العامة للقانون الإداري المغربي إلى تعريف القانون الإداري بأنه مجموعة القواعد القانونية المتميزة عن قواعد القانون الخاص، والتي تحكم نشاط الإدارة بصفة عامة”.

فرغم أهمية هذا التعريف في تقديم تعريف للقانون الإداري فإنه تنقصه الدقة خاصة في مصطلح نشاط الإدارة بصفة عامة بحيث أن القانون الإداري لا يحكم كل نشاط الإدارة فقد تكون للإدارة أنشطة خاصة وبالتالي تخرج عن نطاق تطبيق القانون الإداري مما يستفاد من تعريف الأستاذ محمد مرغيني أن مصطلح “بصفة عامة” يفيد وجود بعض الاستثناءات القليلة التي تمارس فيها الإدارة بعض الأنشطة الخاصة كاستثناء من أنشطتها العامة أو الإدارية، وبالتالي تخرج عن نطاق تطبيق القانون الإداري باعتبار أن الاستثناء لا يقاس عليه ولا يتوسع في تفسيره.

أما الفقيه الدكتور محمد سليمان الطماوي فكان مترددا، في تقديم تعريف للقانون الإداري فبعد أن عرف في البداية القانون الإداري بأنه: “هو ذلك القانون الذي يطبق على الإدارة بمعنيها العضوي والوظيفي فيحكم الهيآت الإدارية في قيامها بوظيفتها الإدارية. حيث اعترف بأن هذا التعريف” هو إجمالي وعام لا يعبر بدقة عن القانون الإداري بمعناه الفني ذلك أن كل قاعدة قانونية تطبق على الإدارة في قيامها بوظيفتها الإدارية لا تنتمي حتما إلى الإداري…”.

وهذا ما جعله يقدم تعريفا آخر بأن القانون الإداري هو القانون الذي يحكم الإدارة باعتبارها هيئة أو منظمة ذات نشاط معين”.

ويلاحظ أن التعريف الذي قدمه الدكتور محمد سليمان الطماري يكاد يماثل التعريف الذي قدمه الدكتور محمد مرغني فيما يخص عدم تحديد موضوع نشاط تطبيق القانون الإداري فالأول تحدث عن نشاط الإدارة بصفة عامة والثاني ذكر نشاط معين” بمعنى أن كل من الفقيهين لم يحدد طبيعة نشاط الإدارة الذي تزاوله وتقوم به الإدارة، بمعنى يتحتم تطبيق قواعد القانون الإداري عندما تزاول الإدارة نشاطا ليس له مقابل في نشاطات الأفراد ولا يكون هذا النشاط موضوع تنظيم من قبل قواعد القانون العادي، مما دفع ببعض الفقهاء القانون الإداري إلى تلافي وتجاوز هذه الثغرة من خلال تقديم تعريف مختصر للقانون الإداري أمثال الدكتور عبد المنعم فرج الصدة الذي عرف القانون الإداري بأنه مجموعة القواعد التي تنظم نشاط السلطة التنفيذية في قيامها بوظيفتها الإدارية”

كما أن هناك من اعتبر القانون الإداري مجموعة من القواعد القانونية الملزمة والمتميزة عن قواعد الخاص والمتولية بالتنظيم لنشاط الإدارة. وعليه فالقانون الإداري عضويا هو قانون الهيات والأجهزة والمؤسسات الإدارية. فيما يوصف ماديا ووظيفيا وموضوعيا بكونه قانون النشاط الإداري.

كما تنطلق بعض وجهات النظر من التوفيق بين وجهات نظر وإيجاد تعريف يتناسب ومجال عمل القانون الإداري وفي هذا الصدد نورد التعريف الذي قدمه “بول أمسيليك” ‏P.Amselek بأن “القانون الإداري هو القانون الذي يطبق على الإدارة و على العمل الإداري، سواء تضمن هذا القانون أنظمة للقانون الخاص”، أي قواعد مماثلة لتلك التي تنظم علاقات الأفراد فيما بينهم، أو تتضمن أنظمة القانون العام أي قواعد غير مألوفة في القانون العادي وسواء تم تطبيق هذا القانون من قبل المحاكم الإدارية أو من طرف المحاكم العادية.”.

ويلاحظ أن التعريف الذي جاء به الأستاذ Jean Revero ريفيرو هو الأقرب إلى الصواب لأنه حاول تقديم جل عناصر التعريف السابق ذكرها حيث جاء تعريفه للقانون الإداري على النحو التالي: مجموعة القواعد القانونية المغايرة للقانون العادي والتي تنظم النشاط الإداري للأشخاص العامة”.

يلاحظ من خلال ما قدم من تعاريف للقانون الإداري باعتبار أن هذه التعاريف أغنت النقاش حول تحديد طبيعة هذا القانون وبالتالي إثراء الفكر القانوني الإداري، إلا أن كل هذه التعاريف أجمعت على كون أي تعريف للقانون الإداري يجب أن يكون شديد الارتباط بالإدارة وبالتالي التلازم الوطيد بين القانون الإداري والإدارة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى