المادة الإدارية

تعريف الإدارة

ينحصر دور الإدارة عموما من الناحية الفقهية في السهر على تنفيذ القوانين وتبعا لذلك. وبالاستناد على المقترب المؤسساتي يمكن القول أن الإدارة هي مجموعة من الهيات والأجهزة المسندة إليها مهام معينة على وجه التحديد، وتعريف الإدارة سيساعد لا محالة في معرفة القانون الإداري.

وقد ذهبت الدراسات الأكاديمية على تحديد معنيين للإدارة معنى شكلي أو عضوي ‏Organique‏ ومعنى موضوعي أو وظيفي ‏Fonctionnel‏.

المعنى العضوي للإدارة: يعد هذا المعيار من المعايير التي تتميز ببساطتها وسهولتها على الإطلاق لتعريف ماهية الإدارة لكون أن هذا المقترب يعتبر أن الإدارة هي مجموعة من الأجهزة والهيآت والمؤسسات أو المنظمات العمومية الخاضعة للدولة، وتهدف إلى التدخل في الحياة العامة لتحقيق المصلحة العامة ذات المنفعة العامة.

حيث أن هذا التعريف العضوي للإدارة يرتكز على الجانب الهيكلي والتنظيمي للإدارة وعلى الأشخاص القائمة على تسيير دواليب الإدارة، فهو يأخذ بمفهوم الإدارة الجهاز. ويندرج ضمن هذا المعنى السلطات المركزية المتجسدة في الحكومة كجهاز إداري وليس سياسي ومؤسسة رئيس الدولة ورئيس الحكومة والوزراء، وممثلي المصالح الخارجية في الإدارة الإقليمية كمندوبي الوزارات والولاة والعمال والباشوات والقواد.

كما تشمل الإدارة بمعناها العضوي الهيآت اللامركزية الإدارية، سواء كانت الامركزية ترابية كمجالس الجهات ومجالس العمالات والأقاليم والمجالس الحضرية والقروية، أو كانت هيآت اللامركزية المرفقية والممثلية في المؤسسات العمومية المتخصصة المكلفة بتسيير وإدارة المرافق العمومية.

أما المعنى الوظيفي لتعريف الإدارة: فهو ينطلق من كون الإدارة تعتبر ذلك النشاط الذي تقوم به الدولة أو السلطات العامة باستعمال الوسائل التي تتوفر عليها من أجل تحقيق المصلحة العامة ذات المنفعة العامة.

ويلاحظ على هذا المعيار أو (المقترب الموضوعي) أنه يأخذ بمضمون النشاط الذي تقوم به السلطات الإدارية وهو الاتجاه الذي تبناه الأستاذ أندري هوريو حينما أكد أن الشرطة الإدارية (الضبط الإداري) والمرفق العمومي يشكلان جوهر النشاط الإداري الذي تزاوله السلطات الإدارية خاصة في بعديهما النظامي ‏Démention règlementaire‏.

يتضح من خلال التعريفين المقدمين أنه لا يمكن الاستغناء عن أحدهما لكون التعريفين يكمل بعضهما الآخر، فالإدارة الخاضعة لقواعد القانون الإداري هي التي تجمع بين التعريفين العضوي والوظيفي، أي الإدارة التي تتكون من مجموعة من الأشخاص التي تشرف على سير الإدارة، ومجموعة المهام والأنشطة المادية والملموسة التي تقوم بها الإدارة من أجل إشباع حاجات عامة للمرتفقين والمتعاملين معها في إطار تلك الأنشطة.

وتتجلى أهمية المقترب الموضوعي والمادي للإدارة أنه يوظف كلما تعلق الأمر بتمييز النشاط الإداري عن نشاط الخواص وعن النشاط الحكومي ذو الصبغة السياسية، وعن النشاط التشريعي والقضائي.

وتجدر الإشارة في هذا المجال أن الاجتهاد القضائي المغربي يأخذ بالمعنيين معا لتحديد معنى الإدارة، فهو يأخذ بمعنى عضوي تارة، وبالمعنى المادي تارة أخرى، ويتجلى ذلك من خلال ما نص عليه الفصل 8 و 9 من قانون المحاكم الإدارية 90/41 الذي يعتد بالمقتربين معا لتحديد اختصاص المحاكم الإدارية.

كما أنه في جميع الأحوال إذا كانت الوظيفة أو النشاط الإداري لا يطرح إشكالات فيما يخص تحديد اختصاص السلطة التشريعية والسلطة القضائية فإن الإشكال يطرح فيما يخص التمييز بين طبيعة ونوعية الأعمال الإدارية وغيرها من الأعمال الأخرى التي تقوم بها السلطة التنفيذية.

فالسلطة التنفيذية الممثلة في رئيس الدولة والوزراء تقوم بنشاطات مختلفة منها ما هو ذو طابع إداري وبالتالي يخضع لقواعد القانون الإداري ومنها ما هو ذو طابع غير إداري ويخضع لقواعد القانون الدستوري، لهذا يفرق الفقه القانوني بين نوعين من الأعمال الصادرة ن السلطة التنفيذية، ففي الوقت الذي تخضع فيها الأعمال الحكومية للقانون الدستوري والمؤسسات السياسية، تخضع الأعمال ذات الطبيعة الإدارية للقانون الإداري.

ومن أجل تجنب هذا الخلط وضع الفقه القانوني مجموعة من المعايير والضوابط وذلك للتمييز بين هذين النوعين من الأعمال المختلفة من حيث الطبيعة والصادرة عن نفس الجهاز التنفيذي، فهناك من اعتمد معيار الأعمال ذات الأهمية القصوى التي تعتبر من أعمال الحكومة، وإذا كانت ذات أهمية أدنى من الفئة الأولى تعد من الأعمال الإدارية. كما أن هناك من اعتبر أن أعمال الحكومة Acte de gouvernement توجد في صلب الوثيقة الدستورية (الدستور)، في حين أن الأعمال الإدارية Acte d’Administration لا توجد في النصوص الدستورية بل يكون منصوص عليها في قواعد قانونية أدنى مرتبة من الدستور وهناك مقترب يركز على الباعث أو الوازع السياسي، فإذا كان الباعث سياسيا اعتبرت تلك الأعمال الصادرة عن الجهاز التنفيذي أعمالا حكومية وسياسية، أما إذا لم يكن الوازع سياسيا اعتبرت تلك الأعمال أعمالا إدارية خالصة.

وتجدر الإشارة هنا أن هناك مجموعة من الفقهاء تناولوا إشكالية التمييز بين الأعمال الحكومية والأعمال الإدارية في أنشطة السلطة التنفيذية.

فالفقيه مورسيس هور m. Hauriou يعتبر أن المهمة الحكومية تنحصر في وضع الحلول للأمور الاستثنائية والسهر على تحقيق مصالح الدولة الرئيسية، أما الوظيفة الإدارية فتتركز في تسيير المصالح الخارجية للجمهور”.

أما الفقيه لافيريير Laferrière فقد جاء في تمييزه بين نوعين من الأعمال كالتالي: “أن وظيفة الإدارة تتحدد في التطبيق اليومي للقوانين والإشراف على علاقات الأفراد بالإدارة المركزية أو المحلية وعلاقات الهيآت الإدارية بعضها بالبعض الآخر، أما الوظيفة الحكومية فيقصد بها تحقيق مصلحة الجماعة السياسية كلها. والسهر على احترام دستورها وسير هيآتها العامة، والإشراف على علاقتها مع الدولة الأجنبية وعلى أمنها الداخلي.

وإذا كان هذا الفقيه يعطي للأعمال الحكومية مكانا متميزا، فإن تحديد طبيعتها تتباين حول اعتماد المقترب المادي أو المقترب العضوي.

وأمام جسامة تحديد الأعمال الحكومية، نلاحظ أن بعض فقهاء القانون الإداري دعوا إلى ترك مسألة التحديد هذا للاجتهاد القضائي حيث يصبح الجهة التي يعهد إليها بحصر وتعداد الأعمال الحكومية وذلك حسب الحالات المعروضة عليه.

-فبالنسبة للتمييز بين الأعمال ذات الأهمية الكبرى والأعمال الأقل أهمية: يلاحظ أن هذا المعيار أو المقترب غير كاف للتمييز بين أعمال السيادة وبين الأعمال الإدارية، حيث أنه قد تكون لقرار إداري آثار سلبية على المستوى السياسي، مثل قرار الزيادة في بعض المنتجات الغذائية، فقرار الزيادة قرار إداري لكن قد تكون له مضاعفات سياسية، كما يمكن أن يكون القرار سياسيا بطبيعته لكن قد لا تكون له آثارا سياسية.

إذن فمضمون هذا الاتجاه يعتبر الإدارة مجرد وسيلة تملكها السلطة السياسية لتنفيذ توجهاتها السياسية والسيادية. الشيء الذي قد يمس بمبدأ أساسي في المجال القانوني وهو مبدأ الشرعية الذي يجب أن يؤطر عمل جميع السلطات المكونة للدولة.

-أما بالنسبة للاتجاه الذي يجعل الدستور هو الحد الفاصل بين أعمال السيادة والأعمال الإدارية وبالتالي الاعتماد على الدستور للتفرقة بين هذين النوعين من الأعمال باعتباره بعد الأساس والجوهر أو كما يقول بارتملي Berthelemy القانون الدستوري هو الذي يبين الآلة في وضعها وتركيبها العام أمام جزيئات تشغيلها وسيرها فيرجع إلى القانون الإداري”.

وهذه الفكرة تتوفر على قدر من الصحة ما دام الدستور يعد أحد مصادر القانون الإداري لأنه ينص صراحة على مهام بعض الأجهزة والهيات ويعطيها الصبغة الإدارية، كما أنه يحدد بعض الأنشطة ذات الطابع الإداري وبالتالي يخرجها من دائرة الأنشطة السياسية كما هو الشأن عند التنصيص على الإدارة المحلية ويحددها في الجهات والعمالات والأقاليم والجماعات الحضرية والقروية، وكذلك التنصيص على السلطة التنظيمية وتحديد الجهاز المكلف بممارستها، وكذلك التعيين في بعض المناصب. حيث أنه لا يمكن نعث عمل ما بأنه يندرج ضمن أعمال السيادة لكونه منصوص عليه في الوثيقة الدستورية، فقد يكون ذلك منصوص عليه في الوثيقة الدستورية ولكنه يخرج عن دائرة الأعمال الحكومية والسيادة مادام أنه يعتبر عمل إداري بطبيعته.

أما بالنسبة لمقترب الباعث السياسي فيلاحظ أن هذا المعيار يبقى معيارا عاما وغامضا شأنه شأن المعيار الذي يميز بين الأعمال السياسية والأعمال الإدارية بناء على الأعمال ذات الأهمية القصوى والأعمال ليست كذلك.

وإذا كان هذا المعيار يجد بعض القبول السطحي فإنه من الصعوبة بمكان الجزم بالتمييز بين الوازع السياسي والوازع الإداري لأن خيط التفرقة بين الباعثين جد دقيق.

فنظريا يمكن الاستناد على المعيار لتفرقة والتمييز بين الباعث الإداري والباعث السياسي حتى وإن كان الأمر ليس كذلك في بعض الحالات التي تختلط فيها الميولات السياسية بالتأطير الإداري، فلنأخذ مثلا مؤسسة رئيس الحكومة فإنه يمكن اعتباره مؤسسة سياسية عندما يساهم في إطار الحكومة في تحديد التوجهات العامة لسياسة الدولة. وبالتالي فالأعمال الصادرة عنه لممارسة هذه المهام تدخل ضمن نطاق الأعمال الحكومية والسيادية، أما عندما يتخذ قرارات إدارية فردية أو تنظيمية من أجل تسيير الإدارات الفردية التابعة له باعتباره سلطة إدارية فإن تلك الأعمال المتخذة في مجال الإدارة والتسيير تعتبر أعمالا إدارية.

أما على المستوى العملي والواقعي لا يمكن التفرقة بين الأعمال الحكومية والأعمال الإدارية بالاستناد إلى معيار الباعث والوازع السياسي باعتبار أن خيط التمييز بين الباعثين يعد غامضا وهشا بحيث أنه كم من قرار إداري بسيط ترك آثار سياسية في غاية الأهمية والعكس صحيح.

فلنأخذ مؤسسة رئيس الحكومة فاختصاصاته وصلاحياته بصفة عامة تعد كلها غير قابلة لآية تجزئة، فلا يمكن فصل ما هو سياسي عن ما هو إداري مادام أنهما يشتركان في نفس السلطة التي تعد منبع القرار، حيث يكون من الصعب تكييف القرار المتخذ لكونه قرارا سياسيا أو إداريا في الوقت الذي تتحرك فيه السلطة صاحبة القرار على مستوى الحقل السياسي والإداري. تم إن الإدارة لا تعتبر إلا أداة لخدمة وتجسيد الأهداف السياسية المحددة من قبل الحكومة، وبالتالي يعد العمل الإداري وجه ثان للعمل السياسي ودال عليه لكن بطريقة مغايرة. وعليه فالعمل السياسي والإداري للحكومة عندما كان معهودا بهما لنفس الأشخاص والهيآت، فإن مزاولتهما لهذين النوعين من العمل لا يمكن أن يتم إلا في إطار الازدواج الوظيفي، أي أن الحكومة تعد في نفس الوقت سلطة إدارية وسياسية.

من هذا المنطلق تنتفي أهمية التفرقة بين الأعمال الحكومية والإدارية داخل السلطة التنفيذية وذلك لسبب موضوعي هو عدم إمكانية استقلالية السلطة الإدارية عن السلطة الحكومية في ممارسة اختصاصاتها، فالإدارة في كافة البلدان سواء النامية أو التي في طريق النمو تعد امتدادا للسلطة الحكومية.

فإلى جانب آراء الفقهاء نجد الاجتهاد القضائي الذي عمد إلى حصر وتعداد أعمال السيادة أو الحكومة، وتندرج هذه القائمة في الأعمال التي تقوم بها السلطة التنفيذية في علاقاتها الخارجية مع الحكومات الأجنبية والمنظمات الدولية، والمهام التي تقدم عليها الحكومة في علاقاتها مع السلطة التشريعية بدعوة البرلمان للانعقاد خلال الدورات العادية والاستثنائية وكذلك التشريع ما بين دورات مجلس النواب، أو عرض مشروع قانون على البرلمان.

عموما فإشكالية التمييز بين الأعمال الحكومية والأعمال الإدارية أصبح أمرا متجاوزا بالنسبة لمجال القانون الإداري الفرنسي، رغم أن الأهمية المترتبة عن هذه التفرقة تكمن في مدى امتداد يد القاضي وبسط رقابته على الأعمال الصادرة عن الإدارة، حيث أن القاضي الإداري يرفض البث في القرارات الصادرة عن الحكومة بوصفها جهازا سياسيا حيث أن هذه الوضعية وإن كانت تضمن احترام مبدأ فصل السلط ضمانا للحقوق والحريات فإنها قد تجعل مؤسسة القضاء تتحول من مؤسسة تدافع عن المشروعية إلى مؤسسة تزكي طغيان الإدارة.

من هنا كان لابد من تلازم كل من المعيارين المادي والعضوي لتجديد طبيعة النشاط الإداري ويعدان شرطان أساسيان لتعريف الإدارة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى