المادة الإدارية

العلاقة بين القانون الإداري والإدارة

خلال التعريفات المقدمة للقانون الإداري والإدارة (في التدوينات السابقة) يتضح مدى العلاقة والارتباط الواضح الذي يجمع بين القانون الإداري والإدارة باعتبار أن هذا القانون الإداري يستعير صفته من الإدارة.

إلا أن هذا الارتباط العضوي والمادي بينهما يبقى نسبيا وذلك للأسباب التالية:

– إذا كان الأصل في نشاط الإدارة هو لجوئها إلى قواعد القانون الإداري وأحكام القضاء الإداري، فإن هذا الأصل ليس أمرا مطلقا، بل يبقى أمرا نسبيا. إذ يمكن للإدارة التي تلجا في بعض الأحيان إلى قواعد القانون العادي لكونه يجعلها تتفادى التعقيد والروتين الذي تتميز به المساطر الإدارية وبالتالي تستفيد بالمقابل من المرونة الذي يوفرها القانون العادي (الخاص) وهو ما يجعلها تقوم بأنشطة من نفس جنس أنشطة الخواص( أنشطة اقتصادية، تجارية، مادية، عقارية) حيث يمكن أن تلجأ إلى عقود خاصة سعيا منها لتحقيق الربح والاستثمار الخاص في بعض القطاعات وبالتالي تتفادى اللجوء إلى العقود الإدارية (الصفقات العمومية)وما تتطلبه من إجراءات مسطرية تتميز بالطول والتعقيد.

– ثم أنه لا يمكن سجن القانون الإداري في الإدارة، فالقانون الإداري قد يتجاوز تطبيقه على الإدارة ليمتد إلى الأفراد أنفسهم، فالأفراد يطبقون قواعد هذا القانون في معاملاتهم اليومية وفي أنشطتهم الخاصة فهو يمنحهم بعض الحقوق والحريات ويفرض عليهم بعض الالتزامات تجاه بعضهم البعض.

– فلا يمكن الجزم بالقول أن القانون الإداري يضمن للإدارة بعض السلطات والامتيازات تجاه الأفراد باعتبار أن الإدارة تسعى دائما إلى تحقيق الصالح العام لسائر أفراد المجتمع، لهذا كان المبدأ السائد من قبل هو عدم مساءلة الإدارة لكونها يفترض فيها حسن نية عن الأعمال المرتكبة من طرفها وهذا ما جعل الاجتهاد القضائي خاصة مجلس الدولة الفرنسي يحيطها ببعض امتيازات وسائل القانون العام أو ما يعرف بالشروط غير المألوفة في القانون العادي خاصة في مجال العقود الإدارية والصفقات العمومية، حيث أن المتعاقد مع الإدارة بناء على العقد الذي يربطه بها يذعن لشروط الإدارة كطرف قوي في العقد عكس ما هو معمول به في القانون الخاص حيث العقد شريعة المتعاقدين أي يتساوى أطراف العقد الخاص.

إلا أن هذه الامتيازات والسلطات التي تتوفر عليها الإدارة يقابلها بعض الالتزامات والواجبات التي تلتزم بها الإدارة تجاه الغير، بحيث أن تصرفات الإدارة أصبحت موضوع مساءلة من قبل القضاء الإداري وبالتالي أصبحت قراراتها مقرونة بقرينة الطعن إذا ما أساءت استعمال سلطاتها وهذا ما جعل القضاء الإداري يخضعها لرقابة إلغاء القرارات الإدارية المعيبة تحت طائلة احترام مبدأ شرعية هذه القرارات ، كما يمكن مساءلة الإدارة عن الأضرار التي تسببها للغير وبالتالي تقرير المسؤولية الإدارية للإدارة سواء على أساس الخطأ المرتكب أو على أساس المخاطر أي الأخطار المتوقع حدوثها وهو ما يعرف بقضاء التعويض الذي يندرج ضمن القضاء الشامل.

– ففي بعض الحالات قد يستفيد الخواص من امتيازات القانون الإداري على غرار الإدارة وبالتالي يمنح هذا القانون للأفراد بعض السلطات التي تقرر للإدارة نفسها رغم إنهم يهدفون من خلال علاقتهم بالإدارة إلى تحقيق مصالحهم الخاصة، وينطبق هذا الأمر على الصفقات العمومية عندما تعهد الإدارة إلى الخواص بإنجاز أشغال أو توريد منقولات أو القيام بخدمات ففي صفقات الأشغال مثلا يمكن للإدارة نزع ملكية الغير (الخواص) بشكل مؤقت، إلى غاية نهاية الأشغال وذلك تحقيقا للمصلحة العامة.

وعموما يتوضح من خلال تعريف القانون الإداري والإدارة وتوضيح العلاقة بينهما، فالإدارة تعد مجالا خصبا لتطبيق القانون الإداري وهذا ما جعله يأخذ نعته ووصفه منها، كما أن مجال تطبيق القانون الإداري لا يقتصر فقط على الإدارة، بل يمتد إلى تحديد العلاقة بين القانون الإداري وفروع القانون الأخرى، الذي يتقاطع معها في بعض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى